وُلد أبو يحيى جعفر بن حمد بن محمد حسن بن عيسى في قرية “السادة” سنة 1277 للهجرة، وتفرّعت من سلفه أسرة كمال الدين الشهيرة، التي تأنس بها البيوتات العلمية والأدبية في الحلة والنجف والكوفة وبغداد. نشأ في بيئة جمعت بين العلم والنسب والشرف، فكان مزيجًا من الأصالة العريقة والروح الوثّابة، فما إن شبَّ حتى حمل روحه الظمأى إلى النجف، مهوى أفئدة الطامحين في مدارج الفقه والأدب، ليتفيّأ ظلال علمائها ومجالس شعرائها.
لقد شبّ السيد جعفر الكمالي كما تنبت القصيدة في أرض ممطرة، تلقّى العلوم الدينية على يد أفذاذ زمانه من أمثال الشيخ عباس كاشف الغطاء، والشيخ الشربياني، والحاج ميرزا حسين الخليلي، والشيخ محمد طه نجف، فكان متضلّعًا في الفقه وأصوله، لا يقلّ عن أقرانه ورعًا وفقاهة، إلا أنه لم يكتفِ بالدرس والتحصيل، فقد كان الشعر يطرق فؤاده من أوسع أبوابه، يغازله كما تُغازل السيوف أيدي الفرسان، فكان شاعرًا لا تقلّ شاعريته عن علمه، يجمع بين عمق الفقيه وطراوة الشاعر.
يصفه العلامة هادي آل كاشف الغطاء في مخطوطته المؤرخة عام 1318هـ قائلًا: “بلغ في الفقاهة الشوط البعيد وأخذ من العلم بالطارف والتليد، فهو عالم وإن كان الشعر شعاره، وشاعر وإن صرف في العلم ليله ونهاره… له ديوان سارت به الركبان، لم تكتحل بمثله عيون أدباء الزمان…”
كان كما يشهد الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ـ سريع البديهة، حلو المحاضرة، جريء اللسان، قوي الهواجس، عذب الكلام. يجمع بين دقة المنطق وجزالة البيان، فيفيض بيته الشعري كما يفيض جدول رقراق من أعالي جبل.
ورغم قصر عمره ـ إذ وافته المنية قبل بلوغه الأربعين ـ فإن أثره بقي ممتدًا كأنه عاش قرونًا بين دفتي الشعر والدرس. جمع ديوانه أخوه السيد هاشم، وأسماه: “سحر بابل وسجع البلابل”، غير أن معظم شعره ضاع، وكان ـ كما نقل الرواة ـ ينظم القصيدة الطوال في ساعة واحدة، وهو ما يشير إلى غزارة الموهبة وسعة الاطلاع. وقد نال شعره حظوة عند الملوك والسلاطين فنال جوائزهم، لكنه لم يكن شاعر بلاط، بل شاعر نفس هاشمية حُبلى بالكرامة والاعتداد، ترفرف في فضاء البيان، وتعاف سَفسافه.
أما الناقدون فقد أثنوا على بديهته وقريحته، ولام بعضهم عليه قلّة التنقيح، كمن كتب في العراقيات:
” لم يكن يعتني في تهذيب شعره وتنقيح بنات أفكاره، فلذلك ترى تفاوتاً ظاهراً في منظومه، ولو تيسر له تنقيح شعره وحذف المبالغة منه لكان من متقدمي شعراء العراق”.
ويضيف صاحب البابليات في وصفه بدقّة وإعجاب: “كان سريع النظم حتى قيل إنه كان ينشئ القصيدة التي تنوف على الأربعين بيتًا في أقل من ساعة واحدة… له منظومة في علم الحساب توجد عند أحد أبناء أسرته”.
ومن دلائل تمكنه وتوغله في تراث الشعراء، نرى شعره حافلًا بالتضمين والتلميح، يقول:
وقالت لك العلياء مذ ذقت كأسها / (هنيئاً مريئاً غير داءٍ مخامرِ)
وهو تضمين لعجز بيت لكثير عزة: (لعزة من أعراضنا ما استحلّت).
إن السيد جعفر كمال الدين لم يكن شاعرًا تقليديًا فحسب، بل كان ذا نفس مطواعة، ونظرة نافذة، ولسان كالسيف، يجيد الهجاء والرثاء والمدح والوصف، وله في كل ميدان سهم نافذ. يقول فيه السيد محسن الأمين:
“كان فاضلاً مشاركاً في العلوم الآلية والدينية، أديباً محاضراً، شاعراً قوي البديهة، حسن العشرة، رقيق القشرة، صافي السريرة…”.
لقد خسرت النجف، بل العراق، شاعرًا لو مدّ الله في عمره لعانق ذرى المجد الشعري، لكنه ـ كما قال العلامة هادي آل كاشف الغطاء ـ “أجاب داعي الحق المبين” قبل الأربعين، فخلّد أثرًا لا يُمحى في أدب العراق.
نموذج من شعره :
من قصيدة له يتغنّى بالحلّة ويتشوّق اليها :
أيا مرسلها أبعثهــــــــــا لارضٍ جيرتي فيهــــا
ويا نشر الصبا قدهــا الى الفيحا وواديهــــا
ديار لم أعف طوعـــاً حماها أو مغانيهــــــا
ولكن العلى سهمــــي أرى فرضاً طلابيهــــا
فيمّمــــتُ الغرييـــــــــــن وما أنكرتُ أهليهــــــا
وله قصيدة ارسلها الى محمد بن عبد الله آل رشيد يهنئه بانتصاره على قبائل المطير لما تمردوا وقطعوا طريق الحج منها :
بشائر جاءت منك انك ظافــــــــرُ كذا ظننا لو لم تجئنا البشــــائــرُ
أبى الله إلاّ ان يشيّــــد ملككــــــم وإن كرهت عرب الفلا والعشائرُ
فقل لمطير أمطـــــر الله فوقهــــم سحائب منهم وابل الحتف ماطرُ
لقد روّعوا ركب الحجيج ببغيهم فهابهم الساري وخاف المسافــرُ
لذا سلّط الباري عليهم محمـــدا فدارت بهم أجـــنــاده والعســـــــاكرُ
فتى يذخر الذكر الجميل ببذلـــه ولو نفــــــدت أموالـــه والذخائـــــــــرُ
وله في مدح خير الله أفندي قائمقام النجف بمناسبة نفيه لبعض الأشقياء من طائفتي الزكرت والشمرت الذين كانوا يقلقون راحة الأهلين وطلبة العلم والزوار :
يا حاكم البلد الذي لم يســـتطـــــــع أحد يدبّره علــى الأحكــــــامِ
عجزت رجال الملك عن إصلاحه وكأنهم نفخوا بغير ضــرامِ
فأتيت كالأســـد المــــــدل بنابـــــــــــه وبنو الشقاء لديـك كالآرامِ
ما زلت في حفــــظ الغري واهلــــه ذا ناظرٍ لم يكتحل بمنــــــامِ
الى أن يقول فيها :
فاليوم نحن بأمنكم وبمنّـــــــكم وبيمنكم في أفضل الأنعــــامِ([1])
وقوله :
إذا سئلت لأين مدى سراها أقول لها إلا (ياناق سيري)
وفيه الاكتفاء والتضمين لشطري أبي النجم العجلي من الشواهد :
ياناق سيري عنقاً فسيحا الى سليمان فنستريحا
وقوله :
أقول لمبتغيك وأنت بحرٌ (فغضّ الطرف انك من نميرِ)
وهو لجرير وتمامه : فلا كعباً بلغت ولا كلابا ….
وقد ألمّ المترجم أيضاً بكثير من المعاني الشعرية التي سبقه اليها الشعراء الأقدمون بحيث لايسعنا أن نعتقد بأن الكل منها – إذا جاز أن يكون بعضها – من باب توارد الخاطر فمن ذلك قرله من قصيدة حسينية يصف بها الإبل :
متعطفات كالقسيّ موائـــــــــــــــــــلاً وإذا ارتمت فكأنما هي أسهمُ
سبقه اليه البحتري حيث يقول :
كالقسيّ المعطفات بل الأسهم مبرية بل الأوتارُ
وكقوله من قصيدة :
سفرت فقطّعت القلوب صبابة كما قطع الأيدي شبيهك يوسفُ
سبقه الى معناه أبو جعفر مسعود بن المحسن البياضي المتوفى سنة 468ه كما في الكامل بقوله من أبيات :
إن كان يوسف بالجمال مقطع الأيدي فأنت مفتت الأكبادِ
وقوله من قصيدة :
كل الى آدمٍ بالأصل نسبته لكنما همم الأشخاص تختلـــــفُ
سبقه الشاعر القديم اليه بقوله :
كل الأنام بنو أب لكنمـــــا بالفضل تعرف قيمة الإنسانِ
[ ومعلوم ان سرقة المعنى لا قيمة لها في النقد اليوم ، إذا ما عرفنا أن قيمة النص تأتي من صياغته وليس من المعاني التي يتضمنها ، ولا ننسى صرخة النقد القديم ان المعاني مطروحة بالطريق … وقد فات صاحب البابليات ذلك فعدّها سرقة للمعاني التي سبق للشعراء قبله أن طرقوها ]
وقال صاحب البابليات أيضاً : عثرنا على عدة قصائد ومقاطيع لسيدنا المترجم مما لم ينشر في ديوانه فمن ذلك هذه القصيدة التي كتب بها من النجف الى بغداد معزياً فيها صديقه الفاضل الأديب السيد مهدي البغدادي الشهير بـ (أبي الطابو) بوفاة والده المرحوم السيد محمد ويتشوّق فيها اليه منها : ([2])
هذي دموع ناظري لا عندم ذوب الفؤاد شابها فهي دمُ
كم قامة بعد اعتدال انحنت وعوج أضــلاع غدت تقــــوّمُ
من زفرات لو على يلملـــــــم شواظها ســـاخ لها يلملــــــمُ
قد حملت رقابنا نعش فتى كم طوقتها مــن يديه أنعــمُ
سرنا به مقدما فاعجب له حيا وميتا شأنــه التقــــــــــدمُ
وكتب الى السيد مهدي ابن السيد محمد آل بحر العلوم من النجف الى بغداد متشوقاً اليه منها :
خلقك أشهى من شذا النـــــدّ ولي غنى فيه عن الوردِ
ولست استعذب شهداً ففـــــي لفظك ما يُغني عن الشهدِ
طوبى لبغداد فقد أدركــــــــــــت فيك مناها يا أخا الــــــــــــودِّ
وافيتها والسحب في ليلــــــــة قد لاح فيها طالع الســــعدِ
وقال في المرحوم السيد هادي بن السيد علي نقي آل بحر العلوم منها:
أدر المدامة وابتدي برفاقـــــي بوركت يا ساقي الطلى من ســـــــاقي
فاشرب وعانقني عناق مــــودة لا خير في شرب بغير عنـــــــــــــــــــــاقِ
جدفي لُماك على لديغ صبابة شفتاك تغنيه عـــن الدريــــــــــــــــــــــــــاقِ
في روضة غناءأعرس وردها فحلت عليه صفقــــــــــــــــــــــة الأوراقِ
وأنامل الورقا لــوت عوداً لها فروت غريب اللحن عن إسحـــــــاقِ
طربت حمائمهاسروراً فاغتدت تختال بالأقــراط والأطــــــــــــــــــــــــــــواقِ
وله مقرظاً كتاب ( اليتيمة الغروية) في تاريخ النجف لمؤلفه السيد حسون البراقي ونقلتها من خطّه في آخر الكتاب بعنوان (لمحررها السيد جعفر الحلّي ) :
أحيا الحسين ذو الشــــــــــرف قديم آثار النجـــــــــــــفْ
بدُرّة يتيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمةٍ تهزأ في بنت الصدفْ
قد نســـــــــــخت آياتهــــــاالــــــ ــغـــــرّ تواريخ الســلفْ
وقال صاحب البابليات أيضاً: وكان المرحوم الحاج عبود شلاش من وجوه تجار النجف في عصره هو الذي سفر بين السيد جعفر وآل رشيد أمراء نجد فكان السيد يبعث اليهم الرسائل والمدائح على يده ومن ثم أطلعني ولده المرحوم صاحب المعالي الحاج عبد المحسن شلاش
على جملة قصائد ومقاطيع قالها فيهم بخط المترجم وقد احتفظ بها منذ عهد والده ولم تذكر في المطبوع ولا المخطوط من ديوانه فمنها ما كتبه الى محمد بن عبد الله آل رشيد في صدر رسالة بعث بها اليه يهنيه بانتصاره في إحدى غاراته على قبائل (مطير) على إثر تمردهم عليه وقطعهم طريق الحاج وذلك سنة 1321ه. ومنها :
بشائر جاءت عنك انك ظافر كذا ظننا لـــــو لم تجئنا البشائرُ
وقد مر ذكرها آنفاً . وكتب الى أمير حائل ويطري قومه آل رشيد :
بسيف الله أفنيت الأعــــــــــادي وطهّرت البلاد من الفســــــادِ
لك الأعراب من حلب ومصـــــر الى الإحساء ألقت بالقيـــــــادِ([3])
المصادر:
مجموعة العلامة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء المخطوطة (1318هـ).
مقدمة ديوان “سحر بابل وسجع البلابل” بقلم الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.
كتاب العراقيات في ترجمته.
البابليات – علي الخاقاني.
السيد محسن الأمين أعيان الشيعة
([1] ) تاريخ الحلة : 2/251-254
([2] ) ونقلها من مجموعة السيد مهدي البغدادي ، كما ذكر ذلك .
([3] ) البابليات:3/7-30 وقد نقل عددا كبيراً من القصائد له نافت على المئة بيت منها في مدح السلطان عبد الحميد ، وقائمقام النجف وغيرهما مما يدل على انه كان لا يجد في مدح هؤلاء وأمثالهم حرجاً ، وقد كتب الشعر في موضوعات كثيرة في الألغاز ، ذكرها يؤدي الى الإطالة فيما لا فائدة منه ، ويمكن أن يراجع هناك ما نقله اليعقوبي في كتابه .


