منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، لم تكن العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية علاقة صراع مباشر دائم فحسب، بل كانت علاقة معقدة تتراوح بين التوتر والمواجهة من جهة، والاتصالات غير المباشرة والمفاوضات الضرورية من جهة أخرى. ورغم أن الولايات المتحدة قطعت علاقاتها مع إيران بشكل رسمي في أبريل 1980، فإن إيران، على عكس ما يُروّج، لم تقطع علاقاتها مع أحد إلا مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والكيان الصهيوني، وهو ما يعكس بوضوح أن السياسة الإيرانية قامت على المبادئ، لا على العزلة.
حتى مع العراق خلال حرب الثمان سنوات (1980… 1988)، لم تُغلق القنوات بالكامل، وظلت بعض التبادلات تحدث بوسائل مختلفة. هذا يعني أن المفاوضات – عندما تحدث – ليست خروجًا عن الخط الثوري، بل امتدادًا طبيعيًا لسياسة واعية ومرنة تستند إلى الحفاظ على المصالح دون التنازل عن المبادئ.
المفاوضات ليست خضوعًا، بل مقاومة ذكية
هناك من يحاول تسويق فكرة أن المفاوضات الإيرانية، سواء بشأن الملف النووي أو غيره، هي نوع من الاستسلام أو الخضوع أمام الولايات المتحدة. وهذا خطأ جوهري. الحقيقة أن الولايات المتحدة لا تفاوض عادة، بل تأمر. لكنها مع إيران مضطرة للتفاوض، لأن إيران فرضت نفسها بنديٍّ، بقوتها، بثباتها، وبتجربتها في الصمود.
إيران لا تتفاوض بالنيابة عن أحد، كما يحاول البعض تصويرها، بل تدافع عن حقوق شعبها المسلوبة، وعلى رأسها الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الأمريكية، وهي أموال أودعها نظام الشاه العميل في بنوك الغرب، لتتحول بعد الثورة إلى ورقة ابتزاز سياسي واقتصادي.
المنتقدون للمفاوضات: موقفهم ثابت ضد الثورة
المفارقة أن أغلب من يعارض التفاوض اليوم، هم أنفسهم من كانوا في صف الأعداء أثناء الحرب العراقية الإيرانية، ووقفوا مع الكيان الصهيوني، ويقفون الآن في نفس الخندق ضد أي إنجاز إيراني، سواء كان في السياسة أو المقاومة أو التقدم التكنولوجي.
بل إن بعضهم ينتقد حتى اتفاق الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية، وكأن التفاوض بحد ذاته خيانة، متناسين أن التفاوض إذا كان من موقع قوة وصبر وكرامة، فهو أحد أدوات المقاومة.
إيران والمقاومة المقدسة: خط لا يتبدل
رغم كل الضغوط والمفاوضات، إيران لم ولن تتخلى عن محور المقاومة المقدسة. دعمها للمقاومة في فلسطين، ولبنان، والعراق، واليمن، وسوريا، ليس مسألة خاضعة للتفاوض ولا للمساومة، بل هو جزء من هوية الثورة الإسلامية نفسها. ومن لا يريد أن يقاوم، فليتراجع، ولكن ليس من حقه أن يستخدم الإعلام أداة للشيطنة أو لبث الأكاذيب والتشكيك. المقاومة ليست خيارًا سياسيًا عابرًا، بل واجب أخلاقي وإنساني وديني.
الاتفاقيات كانت فنية… والخلل ليس من إيران
من الضروري التأكيد على أن ما تفاوضت عليه إيران في الملف النووي هو جانب فني محض: تخصيب اليورانيوم، مستوى النقاء، وعدد أجهزة الطرد المركزي. لم تتنازل إيران عن سيادتها، ولا عن مبادئها، ولا عن دعمها للمقاومة. بالمقابل، فإن الأطراف الأخرى، وعلى رأسها أمريكا، لم تلتزم بأي من وعودها، بل نكثت الاتفاق وفرضت العقوبات مجددًا، في خرق صريح للقانون الدولي.
ختامًا: التفاوض ليس تنازلًا، بل جزء من معركة الإرادات
إيران لم تتغير، ولم تنحرف عن خطها، بل هي مستمرة في مقاومة الهيمنة، ولكن بأدوات متعددة. والمفاوضات هي إحدى تلك الأدوات، ليست من موقع الضعف، بل من موقع الفرض والتحدي. وأي قراءة للمشهد تغفل هذه الحقيقة، إما أنها خبيثة النية، أو أسيرة للدعاية الأمريكية والإسرائيلية.


