لم يعد مخفيا على جميع المختصين التحول الجذري في طبيعة المحركات الاقتصادية كون الثروات الوطنية اصبحت لا تقاس بحجم الموارد الفيزيائية فقط بل بقدرة رأس المال البشري على انتاج الافكار والمعلومات وتوظيف التكنولوجيا. من جهتها اشارت تقارير عديدة من مختلف المنظمات على اهمية دور الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الاجمالي حيث بلغ حجم هذا الاقتصاد اكثر من 28 تريليون دولار ليمثل اكثر من 22% من اجمالي الناتج العالمي بمعدل سنوي مركب بلغ 6.9% مع وصول اسواق الولايات المتحدة الامريكية والصين الشعبية الى نسبة قدرت بـ 35% من اجمال الاقتصاد الرقمي العالمي وان تسابق هذين الدولتين في الوصول الى نسب عالية من الاقتصاد الرقمي لا يدل الا على اهميته الاستيراتيجية الكبيرة والتي يجب على جميع الدول لاسيما الدول النامية ومنها العراق الى التسابق في الدخول الى مضامين ومجالات هذا النوع خاصة وان البنية التحتية للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات فيه ناشئة ويمكن توجيهها بصورة تضمن الحصول على المزايا المبتغاة منه ليكون لا خيارا للرفاهية فقط بل عنصرا من عناصر السيادة والاقتصاد ليضمن بذلك تقليل الاعتماد على النفط وتجنب الاثار التي يتعرض لها هذا القطاع نتيجية الصدمات التي لا نهاية لها وتنويع مصادر الدخل.
وعليه، فأن حاجة العراق لوزارة الاقتصاد الرقمي يتمثل في توحيد الجهود التي بذلت سابقا لزيادة الاستثمارات وفرص النمو الاقتصادي ومنع التشتت في القرار بين وزارة الاتصالات وهيئة الاعلام ووزارة التخطيط وحتى البنك المركزي لتكون هذه الوزارة هي الجهة القطاعية الوحيدة المسؤولة عن رسم وتخطيط استيراتيجيات الاقتصاد الرقمي وتوحيد الرؤية ومنع التشتت التنظيمي والغاء البيروقراطية وسد الفجوة التشريعية لوضع القوانين الخاصة بالتجارة الالكترونية والامن السيبراني وحماية بيانات المستهليكن الشخصية فضلا عن تعزيز فرص الجذب الاستثماري عبر بناء البيئة التنظيمية التي تسهم في تشجيع الشركات متعددة الجنسية لاسيما شركات التكنولوجيا المالية FINTECH في الدخول الى الاسواق العراقية.
تنعكس اهمية وزارة الاقتصاد الرقمي في الحكومة العراقية بمدى نجاحها في تعظيم الايرادات غير النفطية وهو الهدف المرجو من انشائها حيث اشارت بعض الابحاث الى امكانية ان يضيف التحول الرقمي والتجارة الالكترونية نحو 5 مليار دولار سنويا كايرادات غير نفطية للموازنة الحكومية عبر اتمتة الجباية ومنع الهدر المالي والقضاء على التسرب المالي عبر نظامم الاسيكودا، فضلا عن زيادة القيمة المضافة لاقتصاد المعرفة في الناتج المحلي الاجمالي الى 8% ليعادل عشرات المليارات من الدولار في الاقتصاد العراقي المحلي، ثم ان اتمتة التعاملات الحكومية والتحول المالي الرقمي يقلل من فرص الفساد والرشوة ويساعد على تعزيز الشمول المالي وتوسيع قدرة النظام المالي على خلق الائتمان بصورة اكبر مما يساعد على فتح افاق الاستثمار وتقليل كلفته لاسيما لاصحاب المشاريع والشركات الصغيرة التي تؤسس لاستثمارات مستقبيلة اكبر وتسمح لاعادة جزء كبير من الكتلة النقدية المكتنزة خارج النظام المصرفي والتي بلغت اكثر من 101 تريليون دينار حسب التصريحات الرسمية الى النظام المالي.
واقعا، ان نجاح هذه الوزارة في المهام المرسومة لها صعبا للغاية في ضل البيروقراطية العراقية وما شهدناه من فشل على جميع المستويات في الخدمات التي تقدمها اغلب الوزارات في الحكومات العراقية المتعاقبة ولكن لا بأس بالتقدم بخطوات بسيطة نحو الاتجاه الصحيح المرسوم كونه امرا لابد منه على ان يتوجه الاهتمام مباشرة على تطوير البنية التحتية التكنولوجية وخاصة مد شبكات الالياف الضوئية وتراخيص شبكات الجيل الخامس لشركات الاتصال فضلا عن مجالات البرمجة والذكاء الاصطناعي ولو ان الاخير لا يمكن ان نتوقع منه مزايا عظيمة كما هو الحال في الدول المتقدمة، وعليه لابد من تفعيل الشراكة المباشرة مع وزارة التعليم العالي ووزارة التربية لاعادة هيكلة المناهج وبرامج التدريب الرقمي والذكاء الاصطناعي. ثم دعم بيئة ريادة الاعمال عبر انشاء حاضنات الاعمال ومسرعات الشركات الناشئة وتسهيل تأسيسها والشراكة بين القطاعين العام والخاص لتوفير الجهد والوقت عبر الاستفادة من الخبرات المتوفرة في القطاع الخاص في هذا المجال لاسيما الكفاءات الاقتصادية العراقية من اصحاب التخصص الاكاديمي والباحثين في المجالات الرقمية لادارة المجالات الاقتصادية للوزارة المستحدثة.
ان المسار التكميلي لتطوير الاداء الاداري في الاقتصا الرقمي هو حجر الاساس لاي دولة تعتمد السيادة الاقتصادية وتسعى للحاق بركب الدول المتقدمة وان العراق وحكومته بقرارها انشاء وزارة الاقتصاد الرقمي يجب ان يعمل على نقل النمط الاقتصادي الريعي المكبوت بالبيروقراطية نحو اقتصاد حديث يتمثل بالاقتصاد المعرفي ليضمن للعراق مكانا في خريطة المستقبل الرقمي العالمي وليسهم في زيادة رفاهية افراده.


