داعش بعد الانسحاب الأمريكي: هل يتكرر سيناريو 2014 في العراق؟

داعش بعد الانسحاب الأمريكي هل يتكرر سيناريو 2014 في العراق؟
لا تشير الظروف الحالية إلى تكرار حتمي لسيناريو 2014، إذ تحسنت قدرات العراق وتراجعت قدرة داعش على السيطرة المكانية، لكن خطر الخلايا السرية والاستنزاف يبقى قائماً، خصوصاً عبر الحدود السورية والفجوات الأمنية والاضطرابات الداخلية...

يمثل الانسحاب الأمريكي من العراق تحولاً مهماً في البيئة الأمنية العراقية، إلا أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بالانسحاب بحد ذاته، وإنما بمدى قدرة الدولة العراقية على منع تشكل فراغ أمني يمكن أن تستغله التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم داعش. فالتجربة العراقية بعد عام 2014 أثبتت أن ضعف السيطرة الأمنية، وتداخل الأزمات السياسية والاجتماعية، ووجود بيئات جغرافية رخوة، يمكن أن تتحول إلى عوامل مساعدة لصعود التنظيمات المسلحة.

ومع ذلك، فإن الظروف التي سمحت لداعش بالسيطرة على مساحات واسعة من العراق عام 2014 لم تعد قائمة بالشكل نفسه. فقد تطورت قدرات القوات الأمنية العراقية، وتراكمت الخبرة العملياتية والاستخبارية في مواجهة التنظيم، كما أصبحت الدولة أكثر إدراكاً لطبيعة التهديد الذي تمثله الخلايا اللامركزية والحرب غير التقليدية.

لذلك، فإن الاحتمال الأكثر واقعية ليس عودة داعش إلى نموذج “الدولة” والسيطرة على مدن كبيرة، وإنما محاولة إعادة بناء خلايا سرية قادرة على تنفيذ هجمات محدودة واستنزاف القوات الأمنية وإثارة الخوف والاضطراب. ويزداد هذا الاحتمال إذا ترافقت التطورات الأمنية مع اضطرابات سياسية أو اقتصادية أو ضعف في التنسيق بين المؤسسات الأمنية.

وتبرز هنا أهمية الحدود العراقية–السورية، باعتبارها إحدى أكثر النقاط حساسية في معادلة الأمن العراقي. فاستمرار عدم الاستقرار في البيئة السورية يمكن أن يوفر للتنظيم فرصاً لإعادة تنظيم شبكاته، في حين يمثل ملف المعتقلين وعائلات عناصر داعش تحدياً أمنياً وإنسانياً يحتاج إلى معالجة مؤسساتية طويلة الأمد.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام العراق بعد الانسحاب الأمريكي يتمثل في الانتقال من الأمن المدعوم خارجياً إلى الأمن الوطني القادر على الاستدامة. وهذا يتطلب تطوير منظومة الاستخبارات، وتعزيز أمن الحدود، وتحسين التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ومنع وجود مناطق رخوة أمنياً، إلى جانب معالجة العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي يمكن أن تستغلها التنظيمات المتطرفة.

إن عودة داعش ليست نتيجة حتمية للانسحاب الأمريكي، كما أن القضاء على قدرته العسكرية لا يعني انتهاء خطره بصورة نهائية. فالتهديد قد ينتقل من السيطرة على الأرض إلى حرب الاستنزاف والخلايا النائمة والهجمات النوعية.

ان معيار نجاح الدولة العراقية في مرحلة ما بعد الانسحاب لا يقاس بغياب القوات الأجنبية فحسب، وإنما بقدرتها على إنتاج أمن وطني مستقل، واستخبارات فعالة، وسيطرة كاملة على أراضيها، وقرار أمني موحد. يمكن القول بشكل مختصر ومحدد لا تشير المعطيات إلى أن العراق يتجه بالضرورة إلى تكرار سيناريو 2014، لكن خطر إعادة تنشيط داعش يبقى قائماً إذا ظهرت فجوات أمنية أو سياسية.

ولذلك فإن المعركة المقبلة مع التنظيم، إن وقعت، لن تكون بالضرورة معركة مدن وأراضٍ، بل معركة استخبارات، حدود، معلومات، خلايا نائمة، وقدرة الدولة على منع الفراغ الأمني قبل تحوله إلى تهديد استراتيجي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *