تساؤلات المغيّب… الصدر تشظّيات حبرية وتضحيات فكرية إنسانية

تساؤلات المغيّب... الصدر تشظّيات حبرية وتضحيات فكرية إنسانية
تستعيد الرؤية أسئلة موسى الصدر بوصفها مشروعاً إنسانياً يتجاوز الطائفة والجغرافيا، فتبحث علاقة الدين بالكرامة والعمل الاجتماعي، والحوار الإسلامي المسيحي، وفلسطين والمقاومة والحرمان، مؤكدةً أن حضوره يستمر عبر الأسئلة التي تركها للأجيال...

لا أعرف من أين أبدأ رسالة إلى رجل غاب قبل أن أولد بسنوات، ولا أزال، مع ذلك، أشعر أنني أعرفه أكثر مما أعرف كثيرين من أحياء اليوم. ربما لأن غيابك لم يُغلق، فبقيت حاضرا بطريقة لا يملكها إلا الغائبون الذين لم يُغلق غيابهم.
أكتب إليك اليوم لا لأرثيك، فقد رثاك آلاف قبلي، ولا لأمجّدك، فالمديح أرخص ما يمكن أن يُقال عن رجل ترك وراءه كل هذه الأسئلة.

أكتب لأطرح سؤالا ظل يلاحقني كلما قرأت لك:

هل كنت تعرف، وأنت تبني كل تلك الجسور، أن أحدا لن يمشي عليها كما أردت؟ في ذاكرتنا صورة جاهزة عن موسى الصدر: رجل دين شيعي، مؤسس حركة المحرومين، غاب في رحلة إلى ليبيا صيف عام 1978، ولم يُعرف مصيره منذ ذلك التاريخ.

الصورة صحيحة، لكنها لا تكفي. فهي صورة رُسمت من الخارج، بعد الحدث، لتضع الرجل في خانة يمكن التعامل معها بسهولة: زعيم طائفي هنا، رمز مقاومة هناك، وقامة وطنية تُستحضر في ذكرى اختفائه ثم تُطوى مع انتهاء المناسبة.

لكن كل هذه العناوين، على صحتها الجزئية، تضيق عن الرجل.

لأن ما تركه السيد موسى الصدر لم يكن سؤال طائفة وحدها، ولا لبنان وحده. كان سؤالا أكبر: كيف يعيش الناس معا حين يختلفون في الدين والانتماء، من دون أن يبتلع أحدهم الآخر؟ وهل كانت المرحلة التي عاش فيها قادرة أصلا على استيعاب هذا السؤال؟

إذا قرأنا موسى الصدر بمقاييس زمنه، سنراه ابن لبنان الطائفي، وابن الحرب الباردة، وابن صراعات المحاور العربية، وقد فعل وتأثر بما كان يدور حوله. لكن حين نعود إلى ما طرحه عن كرامة الإنسان، وعن الدين بوصفه طاقة تحرر، وعن الوطن الذي يتجاوز حساب الطوائف، وعن المقاومة التي لا تنفصل عن الأخلاق، نكتشف أن كثيرا من أسئلته لم تنته بانتهاء زمنه.

بل ربما أصبحت أكثر إلحاحا اليوم. في زمن تتشظى فيه المجتمعات إلى هويات متقابلة، ويُختزل فيه الدين أحيانا إلى عنف، وأحيانا أخرى إلى مجرد فولكلور، يعود السؤال نفسه: هل يستطيع الدين أن يكون مساحة لتحرير الإنسان بدل أن يصبح قيدا عليه؟

في «الكلمات القصار» المنسوبة إليه، يرد قوله: الدين يحاول خلق الطموح، لا يريد أن يحول دون طموح الإنسان قد تبدو الجملة بسيطة، لكنها تحمل تصورا كاملا للدين. فالدين، في هذه القراءة، لا يأتي ليضع سقفا للإنسان، انما ليمنحه سببا كي يتجاوز عجزه، ويطلب حياة أكثر عدلا وكرامة.

ولهذا ربما كان السيد موسى الصدر أقرب إلى أن يكون مهندس للإتجاهات أكثر من مجرد رجل دين بالمعنى الوظيفي للكلمة، رجلا حاول أن يعيد صياغة العلاقة بين الإيمان والفعل الاجتماعي، وأن يجعل التدين مسؤولية تجاه الإنسان لا انفصالا عنه.

ويُنسب إليه أيضا قوله، في سياق دفاعه عن العمل الفدائي في الجنوب: إذا كان لباسي الديني سيمنعني من العمل الفدائي للدفاع عن الوطن فسأتركه فورا.» بصرف النظر عن اختلاف القراءات حول هذه العبارة وسياقها، فإنها تختصر سؤالا كان حاضرا في مشروعه: ماذا يبقى

من الشكل إذا تعارض مع جوهر المسؤولية تجاه الإنسان والأرض؟

لكن التناقض الأعمق في مشروع موسى الصدر، وربما الأكثر إثارة للتأمل، لم يكن بين الدين والسياسة، ولا بين الطائفة

والوطن، بل بين الإنسان الفرد والجماعة. كان يتحدث عن الإنسان بوصفه صاحب كرامة لا تختزلها طبقته ولا طائفته، وفي الوقت نفسه كان يقود حركة جماهيرية تطالب بحقوق جماعة شعرت طويلا بالتهميش والحرمان.

فكيف يمكن لمفكر يؤمن بأولوية الإنسان أن يستخدم لغة الجماعة من أجل تحرير الإنسان نفسه؟ ربما لم يكن الحل عنده في إلغاء الجماعة، بل في ألا تصبح الجماعة نهاية الإنسان. أي أن الانتماء يمكن أن يكون وسيلة لحماية الكرامة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سجن لها.

ومن هنا يمكن فهم جانب أساسي من مشروعه في الحوار الإسلامي المسيحي. فحين كان يتحدث عن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، لم يكن الاختلاف عنده سببا لإلغاء الآخر، بل مساحة للتعارف والعمل المشترك.

عام 1963، دُعي إلى مراسم تتويج البابا بولس السادس في الفاتيكان، في مشهد حمل، إلى جانب بعده البروتوكولي، دلالة رمزية على إمكان أن يكون رجل الدين جسرا بين المختلفين بدل أن يكون جدارا بينهم.
ولم تكن فلسطين خارج هذا التصور. لقد وضعها في قلب مشروعه، لا بوصفها قضية طائفة أو فصيل، بل قضية ترتبط بالإنسان والأرض والعدالة، وبما تمثله فلسطين من مكانة دينية وإنسانية تتجاوز حدود الانتماء الواحد.
وهنا يعود السؤال نفسه: هل كنت تعرف أن القضايا الكبيرة قد تتحول، مع الوقت، إلى شعارات أصغر من معناها؟ هل كنت تعرف أن فلسطين قد تُرفع في المسيرات أكثر مما تُطرح في الضمير؟

وأن الحوار بين الأديان قد يتحول إلى صورة تذكارية؟ وأن المقاومة قد تُختزل في شعار، بينما كان جوهرها عندك مرتبطا بإنسان يشعر أن كرامته وأرضه وحقه في الحياة مهددة؟ الوجه الآخر من مشروعك كان الجنوب.

لم ترَ الحرمان بوصفه مشكلة منفصلة عن الاحتلال، كما لم ترَ مقاومة الاحتلال منفصلة عن مقاومة التهميش. كان

الإنسان في الحالتين هو النقطة التي تبدأ منها القضية وتنتهي إليها. وهذا ما يجعل مشروعك، بالنسبة إلي، أوسع من الجغرافيا التي خرج منها.

فالجنوب الذي كنت تتحدث عن حرمانه ما زال يحمل الاسم نفسه، وإن تغيّرت الوجوه والأسماء. والمجتمعات العربية التي تبحث اليوم عن طريقة للعيش المشترك، من العراق إلى سوريا إلى السودان وغيرها، لا تزال تواجه السؤال الذي

حاولت أن تطرحه في بلد صغير على شرق المتوسط:

كيف نبني وطنا لا يطلب من الإنسان أن يختار بين انتمائه وكرامته؟  ربما لهذا أشعر، وأنا أقرأك اليوم، أنني لا أقرأ تاريخا مكتملًا. أقرأ رسالة لم تُفتح بعد.فأنت غبت قبل أن أولد، لكن بعض الأسئلة التي تركتها وصلت إليّ. وربما وصلت إلى جيلي كله، من دون أن نعرف كيف نجيب عنها.

وهنا أفهم شيئا من معنى غيابك.

ربما لا يبقى الإنسان حاضرا لأنه موجود أمامنا، بل لأنه يترك وراءه سؤالا يعجز الزمن عن إغلاقه. ولا أعرف كيف أختم رسالة إلى رجل لم يمت ، ولم يعد إلينا. لذلك ربما لا ينبغي أن أختمها.

سأتركها مفتوحة، كما بقي ملفك، وكما بقيت أسئلتك معلقة بين زمنك وزمننا.سيدي الإمام، ربما لم تكن مشكلتك أن مشروعك كان أكبر من زمنك، بل أن أزمنتنا المتعاقبة لم تتعلم بعد كيف تكون على قدر السؤال.

وأنا، امرأة لم تلتقك يوما، لا أملك جوابا. لكنني أعرف أنني، كلما قرأتك، أشعر أنك لم تعد تنتظر أن نعرف أين أنت.ربما كنت تنتظر أن نعرف إلى أين يجب أن نذهب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *