مصر ليست مرتزقة حروب النفط.. احموا الجيش المصري من مغامرات الآخرين!

مصر ليست مرتزقة حروب النفط.. احموا الجيش المصري من مغامرات الآخرين!
تقتضي المصالح الاستراتيجية المصرية صون الجيش من الاستنزاف في الصراعات الإقليمية، وتغليب الدبلوماسية على التدخل العسكري، حفاظاً على الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي. فاستقلال القرار المصري وحماية الملاحة الإقليمية وتعزيز التسويات السياسية ركائز أساسية لأمن مصر والمنطقة العربية....

يقول العقل السياسي والاستراتيجي إن مصلحة مصر العليا تقتضي ألّا يتورط جيشها في حروب تخدم حسابات الآخرين، ولا سيما تلك التي تتشابك فيها المصالح النفطية والنفوذ الإقليمي، وتستنزف الجيوش العربية ومعها مقدرات الشعوب واقتصاداتها وأمنها القومي. فالحروب التي يسهل الدخول إليها قد يصعب الخروج منها، وتبعاتها العسكرية والاقتصادية قد تتجاوز بكثير المكاسب السياسية المتوقعة.

إن الجيش المصري ليس جيشاً بلا تاريخ أو مسؤوليات، ومصر ليست دولة هامشية في المعادلات الإقليمية، حتى يُدفع بها إلى صراعات لا تخدم مصالحها الوطنية المباشرة. فالأمن القومي المصري يواجه تحديات جسيمة، وفي مقدمتها التهديدات المرتبطة بإسرائيل، التي لا يجوز الاستهانة بأطماع بعض تياراتها ومشاريعها التوسعية، فضلاً عن التحديات القائمة على حدود مصر وفي محيطها الإقليمي، وما تفرضه من أعباء أمنية واقتصادية متزايدة.

ولطالما نظر مفكرون واستراتيجيون إسرائيليون إلى مصر باعتبارها الدولة العربية المحورية التي يشكّل موقعها وقوتها ووزنها السكاني والعسكري عاملاً حاسماً في موازين القوى ومستقبل المنطقة. ولذلك، فإن إضعاف مصر أو استنزاف جيشها في حروب جانبية قد يحدّ من قدرتها على مواجهة التحديات الفعلية، ويفتح الباب أمام اختلالات استراتيجية خطيرة. فقوة الجيش المصري لا تُقاس بقدرته على خوض الحروب وحدها، وإنما بقدرته على حماية الدولة وردع التهديدات والحفاظ على جاهزيته بعيداً عن معارك الاستنزاف.

فلماذا يُستنزف الجيش المصري في حروب الآخرين، بينما تحتاج مصر إلى حماية أمنها القومي وتعزيز مناعتها الداخلية، في ظل ظروف اقتصادية تتطلب توجيه الموارد نحو التنمية وتخفيف الأعباء عن المواطنين؟ إن أي انخراط عسكري طويل في صراع خارجي يحمل تكاليف مالية مباشرة، وقد يرتب التزامات أمنية وسياسية يصعب التحكم بمسارها، خصوصاً عندما تكون أهداف الأطراف المشاركة في ذلك الصراع متباينة.

إن مصر تستطيع أن تؤدي دوراً دبلوماسياً وسياسياً بالغ الأهمية في معالجة الأزمة اليمنية، بحكم وزنها العربي وخبرتها السياسية وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف. ويمكنها أن تسهم في دعم وقف الحرب، ورفع المعاناة عن الشعب اليمني، وفتح أبواب التسوية السياسية، بدلاً من الانخراط في مواجهة عسكرية تزيد المنطقة اشتعالاً. كما أن استقرار اليمن وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب يرتبطان بمصالح مصر الاقتصادية وأمن قناة السويس، الأمر الذي يجعل التهدئة والحل السياسي مصلحة مصرية أصيلة، وليس مجرد موقف تضامني مع شعب عربي شقيق.

لسنا بحاجة إلى مزيد من الحروب العربية ـ العربية، ولا إلى تحويل الجيوش العربية إلى أدوات في صراعات تتشابك فيها المصالح الإقليمية والدولية. والتضامن مع الدول العربية الشقيقة وحماية أمنها لا يقتضيان بالضرورة الانخراط في كل مواجهة عسكرية، خصوصاً حين تكون احتمالات التصعيد أكبر من فرص الحسم. ما نحتاج إليه هو سياسة تحمي الأوطان، ودبلوماسية تطفئ الحرائق، وقيادات تدرك أن أمن الشعوب لا يُشترى بإرضاء القوى الخارجية، وأن التحالفات ينبغي أن تقوم على المصالح المتبادلة واحترام سيادة الدول.

وإذا كان السودان قد دفع أثماناً باهظة من الحروب والانقسامات والتدخلات، فإن الواجب اليوم هو منع انتقال الحرائق إلى دول عربية أخرى، وفي مقدمتها مصر والجزائر. فاستقرار هذه الدول ليس شأناً داخلياً فحسب، بل ركيزة أساسية لأمن المنطقة العربية بأسرها، وأي اضطراب واسع فيها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها، وتمتد إلى حركة التجارة والاستثمار والاستقرار الاجتماعي والسياسي في المنطقة.

إن اللحظة الراهنة تستدعي من القيادات العربية أن تتحلى بأقصى درجات الحكمة، وأن تميّز بين التحالف الذي يحمي مصالح الدولة، والتبعية التي تجرّها إلى معارك لا تخدم شعوبها. ومصر، بتاريخها ومكانتها وثقلها الاستراتيجي، أقدر على خدمة أمنها وأمن محيطها العربي حين تحافظ على قوة جيشها واستقلال قرارها، وتستخدم نفوذها السياسي لمنع اتساع الحروب بدلاً من الانزلاق إليها.

اللهم احفظ مصر والسودان والجزائر وسائر بلادنا العربية من الفتن والحروب، وألهم قادتها رشد القرار قبل أن يبتلع الطوفان ما تبقى من أمننا واستقرارنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *