هنا، لابد الإشارة إلى تجربة تاريخية في العصر الحديث الا وهي تجربة اليابان وألمانيا بعد خروجهما من الحرب العالمية الثانية عام 1945 اذ كان ينتابهما الخراب والتدمير والمآسي حيث لم يكتف اصحاب العقول الراجحة الذكية الحكيمة المتنورة من المفكرين والفلاسفة والأدباء بتأنيب نفسها للويلات التي حدثت لبلدهما بل اتخذوا منهجا جديدا في النهوض في البلاد وتعميرها، فقد اتبعت اليابان وألمانيا نهجاً استثنائياً يقوم على تحويل طاقاتهما إلى القوة الاقتصادية البحتة، والتركيز العميق على الإنتاج المدني، والاستثمار الضخم في الكادر البشري، والتخطيط الاستراتيجي لدعم التصدير، مما أدى إلى حدوث “المعجزة الاقتصادية” في كلا البلدين التي تركزت بتوجيه الموارد نحو قطاع الصناعة المدنية و التعليم العالي والتدريب المهني لخلق قوى عاملة ماهرة وعالية الانضباط. وتحديث البنية التحتية ببناء المصانع والشبكات من الصفر بأحدث التقنيات المتاحة، فلعبت الدولة دورا مميزا في التخطيط وتوجيه الاستثمارات نحو نهوض وطني يستثمر طاقات البشر للإنتاج بجودة نظام الإدارة وتطبيق نظام تعليمي مهني يرتبط بالإنتاج من خلال دور الدولة في القيادة المركزية وحرية السوق المنضبط. وكذلك حدث تطور في القطاع الزراعي في سد الفجوة الغذائية والاعتماد على الاكتفاء الذاتي إلى حد ما مما احدث قفزة هائلة في الإنتاج. كل ذلك أعطى نتائج مبهرة مما جعل من الدولتين في مطاف الدول الكبرى استقرارا سياسيا واقتصاديا. هذا المثال يجعلنا نتوقف على تجربة العراق الذي لم يعرف الاستقرار منذ الاحتلال العثماني الذي ادخل التخلف والجهل، وارتكب المجازر ضد العراقين التي أستمرت اكثر من 400 عاما، فلم يبن العثماني مدرسة او جسر او حتى مستوصف بل قضاها بالبطش والاستبداد والحروب ثم تلاه الاستعمار الإنكليزي ثم حدثت أعوام 1958 ثم العهد العارفي والبعثي الذي توج بدكتاتورية مقيتة ادخلت البلاد في متاهات الحروب ودوامة الاستبداد والتعسف والقتل ثم جاء الاحتلال الامريكي الذي ادخل أيدولوجية العنف حيث نتج منها التنازع والقهر والفوضى والتفريط بالسيادة الوطنية، لذلك عجز وتعب المواطن العراقي الذي يعاني من انقطاع الكهرباء وهو في حيرة من امره ازاء النزاعات الدولية والعربية التي اتخذت من العراق ساحة صراعات لا نهاية لها، فهذا يتطلب خروج العراق من دائرة الصراع الدولي والإقليمي (الأمريكي-الإيراني-الإسرائيلي) هو الشرط الأساسي والأول لتحقيق الاستقرار السياسي، والذي بدوره يمهد الطريق للنهوض الاقتصادي والصناعي والزراعي. مما يستدعي ذلك استراتيجية “تحييد وطني” اي اتباع سياسة عدم الانحياز التي نجحت بها السويد اثناء الحرب العالمية الثانية، ورسخت الإنجازات لمصلحة البلاد. وفي هذا المجال يستدعي ايضا سياسة توازن إيجابي بصياغة عقيدة الحياد الإيجابي بحيث يرفض العراق رسمياً أن يكون منطلقاً للاعتداء على جيرانه (مثل إيران)، وفي نفس الوقت يرفض أن يكون ساحة لنفوذ يهدد التزاماته الدولية (مع أمريكا والمنظومة الدولية)، معتمدا مبدأ المصالح المشتركة اي تحويل العلاقات مع إيران والولايات المتحدة من علاقات نفوذ سياسي وأمني إلى علاقات مصالح اقتصادية وتجارية متبادلة، مما يمنح العراق هوية “الشريك المستقل” وليس “التابع”. وفي نفس الوقت تنويع الشراكات الدولية والغطاء الإقليمي والانفتاح على المحيط العربي وتوسيع العلاقات الاقتصادية مع قوى دولية كبرى أخرى (مثل الصين، والاتحاد الأوروبي، واليابان) في مشاريع البنية التحتية الكبرى مما يجعل استقرار العراق مصلحة دولية مشتركة لعدة أطراف، ويصعّب تحويله إلى ساحة حرب من قِبل أي طرف.وكذلك تعزيز الجبهة الداخلية والمواطنة بتحقيق السلم المجتمعي اي التركيز على التنمية كبديل للصراع بتوجيه فئة الشباب نحو فرص العمل في المشاريع الصناعية والزراعية الكبرى، ليكون شباب منتج كي يتحول المجتمع إلى طاقة إنتاجية وليس ريعية استهلاكية بالاعتماد على واردات النفط. مما ورد يسهم في التحرر من التبعية الاقتصادية في العراق الذي يعني أساساً تحقيق السيادة الوطنية من مبدأ عدم الانحياز الذي يحتاج إلى سلطة قوية متماسة مدركة للوطنية العراقية التي ستسهم في تنمية البلاد اقتصاديا خاصة بمساهمة الشبيبة في الإنتاج الصناعي والزراعي لا سيما وقد زحف الملايين من شبيبة الريف إلى المدن دون ان تحتويهم الدولة، وتوفر العمل لهم، وهنا لابد من الاشارة إلى الثورة الصناعية في بريطانيا اثناء تلاشي الإقطاعيات، فلجأ شبيبة الريف إلى المدن الصناعية، فاحتوتهم البرجوازية وزجتهم بالإنتاج الصناعي بينما في العراق لم يجدوا مأوى لهم، فراحوا يشتغلون ككسبة أو ينظمون إلى مجالات اخرى بغية ان يجدوا لقمة العيش لهم ولعوائلهم.
إذن استقرار الدولة سلميا وأمنيا يبعده من منزلقات خطيرة وتخلصه من التبعية الاقتصادية الأجنبية، وتحقق السيادة الوطنية والتحرر من استحواذ الدولار على الاقتصاد العراقي لان العراق ما زال رهينة القرارات الخارجية وضغوطات العقوبات الأمريكية. هنا لابد من الاكتفاء الذاتي الكامل سواء في الغاز والكهرباء والغذاء، والتحرر من الهيمنة النقدية بالامتثال للفيدرالي الأمريكي، لذا لابد من التنوع باستخدام العملات التجارية في الاستيراد والتصدير. هنا ايضا لابد الاشارة إلى اهتمام الدولة بتمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى للزراعة والصناعة، وكذلك الاهتمام بالاستثمار الوطني حينئذ سيتحرر العراق وتكون له دولة سيادية وليس مسرحا للصراعات بين ايران من جهة وأمريكا واسراءيل من جهة اخرى. عندئذ لا تستطيع اية دولة ان تبتزه في ملف الكهرباء والغذاء، وسيصبح دولة حققت مكانتها كما فعلت اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية.


