في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تنكسر السواتر العسكرية على حدود غزة فحسب، بل انهارت معها عقودٌ من التنظير الاستراتيجي والحسابات السياسية التي صُمِّمت لتكريس أمرٍ واقع في الشرق الأوسط. ما حدث في “طوفان الأقصى” يتجاوز حدوده الكلاسيكية كحدث عسكري؛ إنه زلزال بنيوي ضرب عمق الوعي المؤسِس للمشروع الصهيوني، موضحاً أن التفوق التقني والعسكري لا يمكنه إلغاء معادلات الوجود التاريخي.
قبل هذا التاريخ، كانت تل أبيب تُدار وفق استراتيجية تهدف إلى “تصفية القضية بالتجاوز”؛ عبر هندسة مسارات التطبيع والإقليمية الجديدة، مستندة إلى فرضية مفادها أن القضية الفلسطينية باتت عبئاً هامشياً يمكن احتواؤه أمنياً بينما تُفتح العواصم العربية أمام الاتفاقيات الإبراهيمية. بيد أن “الطوفان” أعاد فرض المركزية الفلسطينية كشرط أول لأي معادلة استقرار إقليمية، ونزع عن تل أبيب هالة الكيان العصي على الانكسار.
تحليلياً، تمر القوة العسكرية الإسرائيلية منذ عام 2000 بمنعطف يُعرف في أدبيات العلوم السياسية بـ “تآكل الحسم الاستراتيجي”. فلم تعد حروبها تشبه الحروب الخاطفة لعام 1967، بل تحولت إلى حروب استنزاف طويلة أمام تنظيمات غير نظامية لكنها عالية التكيف. وهذا التحول لا يقتصر على الميدان، بل يمتد إلى تفكيك السردية الأخلاقية والرمزية؛ حيث تحولت صورة “الضحية التاريخية” إلى موضع اتهام مباشر بالإبادة في أروقة محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، مما أحجم القدرة على استخدام التراكم الرمزي لـ “المحرقة” كغطاء للسياسات الاستيطانية.
أما بالنسبة للعراق، فإن هذا التحول يقع في قلب أمنه القومي وتاريخه الحضاري. إن الصراع مع المشروع الصهيوني ليس مجرد تضامن جغرافي، بل هو صراع على الهوية والذاكرة؛ فالأرشيف العبراني والتلمودي ترتبط جذوره التكوينية بالسبي البابلي والبيئة العراقية القديمة. على مستوى الوعي المجتمعي والثقافي، أعاد طوفان غزة القضية الفلسطينية إلى مساحة واسعة من الوعي العراقي، وأعاد معها حضور أسئلة الهوية والذاكرة والعدالة في النقاش العام. ولم يعد تأثير الحدث محصوراً في الأخبار والمواقف السياسية، بل امتد إلى الجامعات والإعلام والفنون ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث أعاد العراقيون قراءة علاقتهم بالقضية الفلسطينية من زاوية إنسانية وثقافية. وبناء وعيٍ نقدي أكثر رسوخاً. وهكذا تحولت غزة من حدثٍ بعيد جغرافياً إلى مساحةٍ جديدة لاختبار وعي المجتمع وقدرته على قراءة التحولات الكبرى.ومن هذا المنطلق، فإن محاولات الاستحواذ على الأرشيف اليهودي العراقي عقب احتلال بغداد عام 2003 تتجاوز كونها إجراءً أمنياً إلى كونها محاولة لسطو هوياتي على تاريخ العراق التعددي.
في الحلقة القادمة: “الصهيونية التي لا نعرفها” – كيف تحول المفهوم من حركة أنوار علمانية وتوفيقية إلى عقيدة خلاصية تحكم صُنّاع القرار اليوم؟ وكيف وضع الحاخام كوك ونشاط حركة “غوش إيمونيم” اللبنات اللاهوتية للاستيطان؟


