حياكم الله .. كيف حالكم ؟ وكيف حال الأيام معكم وهي تنطوي مسرعة. ها نحن نختتم النصف الاول من هذا العام لنستكمل النصف الاخر بحوله وقوته. وفي خِضّم كل ماوقع من أحداث جسام أعتبر إن هذه السنة كانت مليئة بالرسائل التي لم تأت مكتوبة على ورق بل خُطت على ملامح الأيام وسطرت غاياتها في نفوسنا. وكما هو معتاد، قد تصلنا رسائل تحمل دعوات وامنيات و توصيات حول كيفية التعامل مع الايام، وعن ضرورة وضع اهداف وإعداد خططٍ وكتابة اولويات وما الى ذلك. لكن … هل فكرت يوماً أن تكتب رسالة الى نفسك؟ نعم ، رسالة الى نفسك. ماذا لو التقيت بذاتك عبر جلسة صريحة. فبماذا ستخبرها؟ هل ستواجهها بضعفها ومراكز قوتها ؟ ام ستشكرها على صبرها وتحملها؟ هل ستلومها على اخفاقاتها وتسويفها. ام ستواسيها على ما مرت به من حزن وخيبة، وستعدها بأنك ستكون اكثر لطفاً معها في المستقبل. معظمنا يحمل هموماً لا يستطيع البوح بها لأحد. فكتابة الامك ،أهدافك وخططك سيكون بمثابة نوع من انواع التفريغ العاطفي في مساحة آمنة، لهذا ستشعر بشجاعة اكثر وستلين حدودك الصلبة التي بنتها وحدتك وكبريائك وثقل الكتمان وغرورك و أنَـاك المتضخمة. ستقابل نسخة منك ظننت انك فقدتها يوما ما ستسمع صوتاً خافتاً يحوّل ذلك البوح الى دفئ ستشعر بخفة لأنك لا تحتاج الى اقنعة و لا الى تبرير ستكون فقط انت كما انت. و ستقوم بترتيب الفوضى التي بداخلك، لتقترب من ذاتك اكثر، بعد ان هربت منها مراراً وتكراراً. فالرسائل سواء كانت الى نفسك او حتى تلك التي ترسلها الى غيرك هي اكثر من مجرد حبر على ورق. هي عادة دافئة بين الاحبة و جسراً يتخطى الحدود الجغرافية و الفوارق الزمنية لايصال صوتنا ومشاعرنا الى الضفة الاخرى. وقد يبلغ وقع الرسائل في نفوس مستلميها حداً يماثل لذة اللقاء مع الشخص ذاته لما فيها من تواصل روحي نلوذ به حين يعز التواصل المادي. دعونا نعود بالزمن الى الوراء قليلاً لنرى اهمية الرسائل الأدبية والعاطفية وما لها من ارثٍ و أثر كبير و اصبحت مخلدة حتى يومنا هذا كرسائل الفيلسوف الروماني (ماركوس أوريليوس) صاحب كتاب التأملات التي كانت عبارة عن مذكرات ورسائل يخاطب بها نفسه و يذكرها بالصبر والتواضع. رسائل جبران خليل جبران الى مي زيادة التي كانت مزيجاً ما بين الفكر والعاطفة وشاهدة على قصة حب تقهر المسافات والحدود الجغرافية. رسائل نزار قبّاني الى بلقيس الراوي التي كانت و لا زالت تنبض بالحب والحكمة و الحياة والرثاء (بعد فقدها). رسائل قيس بن الملّوح الى ليلى العامرية التي خلّد فيها لحظات الوجد و الحب في انقى صوره. رسائل طه حسين الى زوجته سوزان حيث كان يصفها بأنها عيناه اللتان يبصر بهما الحياة. رسائل غسان كنفاني الى غادة السمان التي هي من اكثر الرسائل صدقاً وحرارة. رسائل نجيب محفوظ الى الشباب و التي لانزال نتداولها حتى يومنا هذا. رسائل مارتن لوثر التي اصبحت تُدرّس كمنهج في الجامعات كونها اكثر تأثيراً في حركة الحقوق المدنية والعدالة والمساواة. بالاضافة الى رسائل الرؤساء والقادة والمماليك ابان الحروب و المعاهدات والاتفاقيات التي تتم بين طرفين. رسائل الامام “علي بن ابي طالب ” في نهج البلاغة التي تحمل في طياتها عمق العدل والحكمة والسياسة والخُلق. انتهاءً برسائل الانبياء التي كانت اولى الرسائل على وجه الارض حيث دعوا جميعهم الى مبادئ متشابهة مثل الهداية الى الخير ، الرحمة ، العدل، الأمانة، نصرة الضعيف والإيمان بأله واحد وترك عبادة ماسواه هذه الرسائل التي تكررت بصوت كل نبي عبر التاريخ، لكي يصبح الانسان نوراً في الارض وقلباً رحيماً وعقلاً واعياً متقداً ويداً تعمل للخير. وبالرغم من استلامنا لعشرات بل لمئات الرسائل الالكترونية يومياً، لكن البعض قد فاتته لذة الرسائل المكتوبة على ورق، تلك الرسائل التي تكون موضوعة داخل ظرف ورقي محكم بطابع. كنا عندما نرى ساعي البريد على دراجته نبدأ بملاحقته .. راجيه ان يفتش بين مجاميع الاظرف التي يحملها علّهُ يعثر على رسالة، اُرسِلت من الاهل او الاحباب والتي تكون فياضة بمشاعر الشوق والحنين الى الاهل والوطن. و هناك رسائل اخرى مهمة جداً .. ليست مكتوبة على ورق وانما هي محسوسة، رسائل روحية خفية من الله لنا. تأتينا احياناً على شكل تحذير من موقف ظنناه خيراً او على هيئة مواساة و طمأنينة لحدثٍ حسبناه شراً. وظهرت مؤخراً رسائل الصباح والمساء ورسائل ادعية يوم الجمعة التي اصبحت عادة يعتبرها البعض بمثابة التحية والسلام وكأن احدهم يود اخبارك، انا هنا انا بخير، او كيف حالك؟ اذكر اني قد تعرفت على زميلة كانت تعاني من مرض واخبرتني بأنها سترسل لي كل جمعة رسالة ” جمعة مباركة” متبوعة بدعوات، قالت لي حينها : لو كنتِ مشغولة لا تلتزمي بالرد. فأنا سأستخدم هذه الطريقة كوسيلة كي أطمئنك عن حالي. فإذا انقطعت عنك هذه المراسلات اعلمي انني لست بخير او اني قد غادرت هذه الحياة. فعلاً ، مرت احدى الجمع دون ان استلم منها شيئاً. ارتبكت وخفت، اتصلت بها فلم ترد .. حتى وردني خبر وفاتها. فبالرغم من استخدامها تواصلاً نمطياً بسيطاً ويتكرر بشكل اسبوعي الا انه اشعرني باهميته وجماله بحيث اصبحت أفتقدها كل يوم جمعة وادعو لها بالرحمة. اخيراً: و نحن نعيش الان في عالم غزته الرسائل الالكترونية عبر تطبيقات مختلفة، فمن المفترض ان يخلق هذا التواصل جواً من الألفة و يصنع طابعاً من الموّدة، لما تتميز به الرسائل من سرعة في الوصول و تنبيهات فورية لتلك الرسالة و مرسلها .. لكن هذه البرامج اظهرت آفة نفسية جديدة شوهت جمال التواصل تدعى (عقدة الأهمية) وهو غطاء هش يستخدمه البعض ليبدو اكثر عمقاً. فيقوم مستلم الرسالة بقرائتها ثم تجاهلها ظناً منه ان هذا التصرف سيجعله ينال احتراماً وتقديراً اكبرين. نعم، قد تكون مشغولاً ، وقد تتأخر في الردود لكنك تستطيع ان تبرر تأخيرك هذا، باعتذار اصولي لطيف يليق بك وبمن راسلك بدلاً من ان تهمل وتتجاهل عمداً. لا تفقد لذة التواصل و لا تقلل من قيمة الرسائل وتهدر من وقت ومشاعر الاخرين عبثاً، فالقلوب تمل الانتظار على ابواب موصدة. شكراً لكل روحٍ اختارت ان تضئ ايامنا بكلمة او رسالة صادقة، شكراً لكل من يسأل ويتفقد، جمالكم يصل و طيبكم يُذكر اسأل الله ان يغمر ايامكم بالخير والسعادة وأن يرد جميل لطفكم هذا اضعافاً مضاعفة. دام وصالكم عامراً بالود ودامت رسائلكم تحمل طيب القول وجميل الشعور.


