يشهد العراق اليوم واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ عام 2003، إذ يجد نفسه في قلب صراع إقليمي ودولي متشابك، تتداخل فيه الحسابات الأمريكية والإيرانية، وتنعكس تداعياته بصورة مباشرة على الأمن والاقتصاد والاستقرار السياسي الداخلي. ولأن العراق ما زال يعاني من ضعف الاستقلال السياسي والاقتصادي والمالي والأمني، فقد أصبح أكثر الدول هشاشة أمام الأزمات المتسارعة في المنطقة.
إن استمرار العراق في موقع “ساحة التوازنات” بدل أن يكون “دولة ذات قرار سيادي” يجعله عرضة للاستنزاف الدائم، ويهدد مستقبله السياسي ووحدته الاجتماعية. ومن هنا، فإن النجاة من الأزمة الراهنة لا يمكن أن تتحقق عبر المعالجات المؤقتة أو ردود الأفعال، بل من خلال مشروع وطني شامل يعيد بناء الدولة على أسس السيادة والمصلحة الوطنية.
أولاً: تبنّي مبدأ الحياد الإقليمي الإيجابي
العراق بحاجة إلى إعادة تعريف موقعه الجيوسياسي، عبر اعتماد سياسة “الحياد الإيجابي”، أي عدم الانخراط في سياسة المحاور، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف الإقليمية والدولية. فالعراق لا يستطيع تحمل كلفة التحول إلى ساحة مواجهة بين إيران والولايات المتحدة أو بين القوى الإقليمية المتصارعة.
ويقتضي ذلك:
منع استخدام الأراضي العراقية لتصفية الحسابات الإقليمية.
تعزيز الدبلوماسية الوقائية والحوار الإقليمي.
تفعيل دور العراق كجسر للتفاهم لا كساحة صراع.
ثانياً: بناء استقلال اقتصادي حقيقي
لا يمكن تحقيق استقلال سياسي من دون استقلال اقتصادي. فالعراق ما زال يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط، ويعاني من هشاشة مالية خطيرة تجعله مرتبطًا بالتقلبات الدولية والضغوط الخارجية.
ومن أبرز الحلول:
تنويع مصادر الدخل الوطني.
إعادة إحياء القطاعين الزراعي والصناعي.
دعم القطاع الخاص وتقليل الاقتصاد الريعي.
تطوير البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا.
تقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي، خصوصًا في القطاعات الحيوية. إن الاقتصاد المنتج هو الأساس الحقيقي للسيادة الوطنية.
ثالثاً: حصر السلاح بيد الدولة
من أخطر التحديات التي تواجه العراق تعدد مراكز القوة المسلحة، الأمر الذي يضعف هيبة الدولة ويجعل القرار الأمني عرضة للتجاذبات الخارجية. لذلك فإن أي مشروع إنقاذ وطني يجب أن يقوم على:
تقوية المؤسسة العسكرية الرسمية.
دمج القوى المسلحة ضمن إطار الدولة والقانون.
منع الازدواج الأمني.
تعزيز العقيدة الوطنية للمؤسسات الأمنية بعيدًا عن الانتماءات الحزبية والطائفية
فالدولة التي لا تحتكر القوة لا تستطيع حماية سيادتها أو فرض قرارها.
رابعاً: إصلاح النظام السياسي ومحاربة الفساد
الأزمة العراقية ليست خارجية فقط، بل داخلية أيضًا. إذ إن الفساد والمحاصصة السياسية أضعفا مؤسسات الدولة وأفقدا المواطن الثقة بالنظام السياسي.
ويتطلب الإصلاح:
بناء دولة المواطنة بدل دولة المكونات.
إصلاح القضاء وتعزيز استقلاليته.
محاربة الفساد المالي والإداري بآليات حقيقية لا إعلامية.
اعتماد الكفاءة في إدارة الدولة بدل الولاءات الحزبية.
خامساً: تعزيز الهوية الوطنية الجامعة
لقد أضعفت الانقسامات الطائفية والإثنية النسيج الوطني العراقي، وأصبحت بعض القوى الخارجية تستثمر في هذه الانقسامات لتعزيز نفوذها.
ومن هنا تبرز أهمية:
ترسيخ مفهوم الهوية العراقية الجامعة.
تطوير المناهج التعليمية والخطاب الإعلامي الوطني.
دعم الثقافة المدنية وقيم المواطنة.
حماية التنوع العراقي ضمن إطار الدولة الواحدة.
خاتمة
إن العراق يمتلك من الموارد البشرية والاقتصادية والجغرافية ما يؤهله ليكون دولة محورية مستقلة ومؤثرة في المنطقة، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية وطنية قادرة على تجاوز منطق التبعية والمحاور والصراعات الداخلية.
فالنجاة من الأزمة الإقليمية لا تتحقق بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك، بل ببناء دولة قوية ذات سيادة، قادرة على حماية مصالحها الوطنية وإقامة علاقات متوازنة مع الجميع. ويبقى التحدي الأكبر أمام العراقيين اليوم هو الانتقال من “إدارة الأزمات” إلى “صناعة الدولة”.


