المقدمة:
تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة توتر متصاعد مع استمرار المواجهة بين إسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. ويُقدَّم هذا الصراع في الخطاب الإسرائيلي أحيانًا بوصفه تحققًا لنصوص توراتية، في محاولة لإضفاء طابع ديني على نزاع سياسي معقد. غير أن هذا التوظيف لا ينفصل عن أهداف توسعية واستيطانية، إذ يُستخدم الدين كأداة تعبئة لتبرير سياسات تتجاوز حدود الدفاع عن النفس.
السردية التوراتية وأصلها
النصوص التوراتية نشأت في سياقات تاريخية قديمة، وتضمنت مفاهيم مثل “الشعب المختار”، وصراع الأمم القديمة، ورؤى أخروية عن حروب كبرى تسبق الخلاص. هذه النصوص لم تُكتب لتفسير أحداث معاصرة، لكن إسرائيل اليوم تعيد قراءتها بصورة انتقائية، لتُقدَّم كأنها تتحقق في الحاضر، بهدف إقناع اليهود بأنهم يخوضون حربًا مقدسة، بينما الهدف الحقيقي هو تمرير مشاريع سياسية توسعية.
البقرة الحمراء: من الطقس إلى السياسة
البقرة الحمراء في الشريعة اليهودية طقس نادر يرتبط بالتطهير من نجاسة الموتى ويُعتبر شرطًا رمزيًا قبل بناء الهيكل الثالث. يشترط أن تكون كاملة بلا عيب، لم تُستخدم في أي عمل، وأن تُذبح في مكان خارجي بعيد عن الهيكل، ثم يُحرق جسدها ويُستخدم رمادها في طقوس التطهير. في الخطاب الإسرائيلي المعاصر، جرى استحضار هذا الطقس وربطه مباشرة بالصراع مع إيران، ليُقدَّم كـ”إشارة إلهية” على اقتراب مرحلة تاريخية جديدة. الهدف ليس الطقس بذاته، بل استغلال رمزيته لإضفاء شرعية دينية على مشاريع سياسية واستيطانية، خصوصًا في القدس.
من النص إلى التوظيف السياسي
تتم عملية التوظيف عبر ثلاث آليات رئيسية:
– الإسقاط التاريخي: ربط إيران بأمم قديمة لتصويرها كعدو أبدي.
– الربط الزمني المصطنع: تقديم طقوس دينية كدلائل على أحداث سياسية جارية.
– إعادة التفسير: تأويل النصوص بعد وقوع الأحداث لتبدو وكأنها تتوافق مع النبوءة.
بهذه الآليات، يتحول النص الديني إلى أداة خطابية تُستخدم لتوجيه الوعي وتبرير المواقف، وتُقدَّم إيران كتهديد وجودي، رغم أن دورها في الواقع دفاع عن السيادة ومصالحها الإقليمية.
جوهر الصراع: قراءة سياسية
بعيدًا عن الغلاف الديني، يقوم الصراع على محددات واقعية:
– التنافس الإقليمي: إسرائيل تسعى لتوسيع نفوذها، فيما ترى إيران نفسها في موقع الدفاع عن مكانتها واستقلالها.
– الملف النووي: يُقدَّم في إسرائيل كتهديد وجودي، بينما تؤكد إيران أنه لأغراض سلمية.
– الأمن القومي الإسرائيلي: يُعاد تعريفه في الخطاب الرسمي ليُقدَّم على أنه معركة وجودية، حيث تُصوَّر إيران وحلفاؤها كطوق يحيط بالدولة العبرية، ويُربط ذلك بسرديات دينية لتبرير السياسات العدوانية.
– التوازنات الدولية: القوى الكبرى مثل روسيا والصين وأوروبا تسعى إلى موازنة التصعيد، ما يحدّ من قدرة إسرائيل على فرض رؤيتها منفردة.
أثر الخطاب الديني
الخطاب الديني يُبسّط الصراع إلى مواجهة مطلقة بين طرفين لا ثالث لهما، ويُعزز التعبئة الجماهيرية، ويُقلل مساحة النقد الداخلي. لكنه يُستخدم أيضًا لخداع الشعب اليهودي نفسه، إذ يُقنعهم بأنهم يخوضون حربًا مقدسة بينما يُستنزفون في سياسات توسعية تُرهقهم ولا تحقق لهم مكاسب حقيقية. أما إيران، فتصبح “العدو الأبدي” في هذا الخطاب، رغم أن موقفها يُقدَّم داخليًا وخارجيًا باعتباره دفاعيًا أكثر منه هجوميًا.
السيناريوهات المحتملة
- تعميق التوظيف الديني: عبر تكثيف الربط بين الأحداث والنصوص لتبرير خطوات جديدة.
- تصعيد عسكري واسع: قد يقود إلى مواجهة إقليمية شاملة.
- فشل الأهداف الاستراتيجية: ما يفتح الباب أمام مراجعات داخلية وضغوط دولية نحو التهدئة.
- العودة إلى المسار الدبلوماسي: إذا ارتفعت كلفة الصراع على جميع الأطراف، وهو ما قد يخدم إيران التي تطرح نفسها كطرف مدافع لا مهاجم.
- استفزاز ديني خطير: مثل استهداف المسجد الأقصى أو محاولة تهديمه ولصق التهمة بإيران، لإثارة المسلمين ضدها وإشعال حرب شاملة وتعبئة جماهيرية واسعة.
- استخدام خيار نووي: في حال شعرت إسرائيل أن التوازنات الإقليمية والدولية لا تصب في صالحها، قد تلجأ إلى ضربة نووية محدودة لتغيير قواعد اللعبة، وهو سيناريو بالغ الخطورة على المنطقة والعالم.
الخاتمة:
يبقى الصراع بين إسرائيل وإيران، رغم ما يُحيط به من سرديات دينية، في جوهره صراعًا سياسيًا تحكمه المصالح والتوازنات. الخطورة أن إسرائيل توظف النصوص الدينية لإضفاء طابع حتمي على قراراتها، بينما تُقدَّم إيران كتهديد وجودي، رغم أن واقعها يعكس موقفًا دفاعيًا أكثر منه هجوميًا. ويبقى السؤال: هل يستطيع العالم التمييز بين الدين كمنظومة إيمانية، وبين استخدامه كأداة في الصراع السياسي، قبل أن تنزلق المنطقة إلى مواجهة أوسع؟


