يبدو المشهد السياسي في واشنطن اليوم وكأن الرئيس الأمريكي ترامب يقع بين مطرقة إسرائيل وسندان الشرق الأوسط. حيث تتقاطع الضغوط القانونية والسياسية الداخلية مع الحسابات الجيوسياسية الكبرى في الشرق الأوسط، لتضع الرجل أمام معادلة معقدة لم تكن ضمن شعاراته الانتخابية الأولى.
فالرئيس الذي دخل البيت الأبيض رافعاً شعار السلام وتقليل الحروب الخارجية والطامح الى جائزة “نوبل” يجد نفسه اليوم في قلب صراع استراتيجي وحرب دامية يصعب وقفها، تتداخل فيها مصالح القوى الدولية مع نفوذ جماعات الضغط الصهيونية داخل الولايات المتحدة.
وفي ضوء الاحداث يطل السفير الأمريكي في تل أبيبب “مايك هاكبي” بتصريحات منحازة الى إسرائيل، والتي أثارت جدلاً واسعاً. أثناء لقائه مع الصحفي الأمريكي “تاكر كارلسون” لم يتحدث بلغة دبلوماسية تقليدية، بل استحضر خطاباً ذا طابع ديني مشحون، حين قال إن لإسرائيل حقاً توراتياً يمتد من نهر النيل في مصر إلى نهر الفرات في العراق.
هذا الخطاب لم يُقرأ في المنطقة باعتباره مجرد تصريح عابر، بل بوصفه انعكاساً لرؤية أيديولوجية متجذرة داخل بعض التيارات السياسية والدينية في الولايات المتحدة، خصوصاً التيار الإنجيلي المحافظ الذي يرى في دعم إسرائيل التزاماً عقائدياً يتجاوز حدود التحالف السياسي التقليدي.
عقيدة التوسع والبعد الأيديولوجي
وفق بعض القراءات السياسية، تجد أن تصريح السفير الأمريكي في تل أبيبب “مايك هاكبي” يرتبط برؤية أوسع يجري تداولها داخل بعض الدوائر المؤثرة في واشنطن، تتحدث عن تصور استراتيجي يُشار إليه أحياناً بمصطلح “الحدود الموعودة”. وتربط هذه القراءة بين هذه التصورات وبين نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك).
ويُعتقد أن هذا الخطاب يعكس حضور التيار الإنجيلي المحافظ الذي ينظر إلى الصراع في الشرق الأوسط من زاوية دينية، ويعتقد أن المنطقة مقبلة على تحولات كبرى ترتبط بما يُعرف في الأدبيات الدينية بـ “معركة هرمجدون”. ووفق هذه الرؤية، فإن إعادة رسم التوازنات الجغرافية في المنطقة ليست مجرد مشروع سياسي، بل جزء من تصور عقائدي أوسع.
ولهذا فإن الحديث عن فضاء جغرافي يمتد بين النيل والفرات لا يُقدَّم هنا بوصفه مجرد استعارة رمزية، بل كإشارة إلى صراع أعمق يتعلق بالتحكم في الموارد الاستراتيجية للمنطقة، سواء كانت المياه أو الممرات اللوجستية أو طرق الطاقة والتجارة. فالقوة في الشرق الأوسط لم تعد تُقاس فقط بالجيوش، بل بالقدرة على السيطرة على البنية التحتية الحيوية التي تتحكم في حركة الاقتصاد الإقليمي.
ضغوط الداخل الأمريكي ومعادلة الابتزاز السياسي
المشهد لا يقتصر على الصراع الجيوسياسي الخارجي في الشرق الاوسط، بل يرتبط أيضاً بتوازنات السياسة الداخلية في الولايات المتحدة. فترامب يواجه سلسلة من الملفات القضائية الحساسة التي تضيق هامش حركته السياسية. ومن أبرز هذه الملفات قضية الوثائق السرية المرتبطة بمقره في “مارالاغو”، وهي القضية التي أثارت جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة بسبب طبيعة الوثائق التي جرى تداولها.
إلى جانب ذلك، ملفات جيفري إبستين، التي أعادت تسليط الضوء على طبيعة العلاقة السابقة بين الرجلين، الأمر الذي ساهم في زيادة الضغوط الإعلامية والسياسية المحيطة به. إضافة الى قضايا اقتصادية، مثل القرارات الجمركية التي اتخذها ترامب خلال فترة حكمه، لتشويه صورته أمام قاعدته الشعبية، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المرتبطة بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
في مثل هذه الظروف يصبح الرئيس أكثر عرضة للضغوط السياسية والقانونية من قبل (أيباك). فالنظام السياسي الأمريكي يسمح بأن تتحول القضايا القانونية إلى مسارات دستورية قد تقود إلى إجراءات العزل داخل الكونغرس. وقد ظهرت بالفعل مبادرات داخل الكونغرس يقودها بعض النواب من بينهم” شري ثاندار”، لطرح ملفات تتعلق بأداء ترامب السياسي. فالمعركة لا تجري فقط في الساحة السياسية، بل تمتد أيضاً إلى الساحة القانونية والإعلامية، حيث يمكن فتح ملفات متعددة في وقت واحد بهدف إضعاف موقع الرئيس.
الشرق الأوسط كساحة لتقاطع الصراعات
في الحسابات الأمنية لإسرائيل، لا تُقرأ إيران كدولة إقليمية تقليدية يمكن احتواء نفوذها عبر التوازنات السياسية المعتادة، بل كخصم استراتيجي طويل الأمد يُنظر إليه باعتباره التحدي الأكبر لأمنها منذ عقود. فالنظرة الإسرائيلية إلى إيران تتجاوز حدود الخلاف السياسي أو التنافس الإقليمي، لتصل إلى مستوى الصراع على طبيعة ميزان القوة في الشرق الأوسط.
وتقوم هذه الرؤية على ثلاثة عناصر رئيسية ترى إسرائيل أنها تشكل جوهر التهديد الإيراني. أولها البرنامج النووي الإيراني، الذي تخشى تل أبيب أن يتحول في أي لحظة إلى قدرة ردع استراتيجية تغير قواعد اللعبة في المنطقة. وثانيها منظومة الصواريخ الباليستية.
المتطورة التي طورتها إيران خلال السنوات الماضية، والتي تمنحها قدرة على ضرب أهداف بعيدة المدى داخل العمق الإسرائيلي. أما العنصر الثالث فيتمثل في شبكة الحلفاء والقوى المتحالفة مع طهران في الإقليم، وهي شبكة تمتد عبر عدة ساحات في الشرق الأوسط وتمنح إيران نفوذاً غير مباشر يمكن توظيفه في أي مواجهة محتملة.
اللوبي الصهيوني في واشنطن وضع ترامب في زاوية الانتحار. إما أن تمنحنا رأس طهران على طبق من فضة وتفتح الطريق لمخطط إسرائيل الكبرى، وتمضي في مسار تصعيدي وتشن الحرب الشاملة على إيران وتدمر مفاعلاتها النووية، وتنهي برنامجها الصاروخي، وتعيد رسم توازنات المنطقة بما يخدم التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي، وتفتح الطريق لتمدد الكيان وتصبح البطل التوراتي. وإما تستعد لمواجهة سلسلة من المعارك القانونية والسياسية العلنية داخل واشنطن التي ستبدأ بعرض وثائقك السرية، وتستعد لارتداء بدلة السجن البرتقالية بتهم الخيانة العظمى وإساءة استخدام السلطة.
في مثل هذه المعادلة تبدو الخيارات وكأنها موضوعة على حافة المخاطرة القصوى، فاختار الحرب لإنقاذ رقبته حتى لو كان الثمن تحويل الشرق الأوسط إلى كتلة من اللهب لا تنطفئ لعقود. وهكذا، وفق هذا التصور، يتحول الصراع في الشرق الأوسط إلى جزء من معادلة أوسع داخل السياسة الأمريكية، حيث تتقاطع حسابات البقاء السياسي في واشنطن مع قرارات الحرب والسلام في المنطقة. وفي مثل هذه اللحظات قد يصبح ثمن هذه الصراعات اشتعالاً إقليمياً واسعاً يمكن أن يمتد أثره لسنوات طويلة.
ولكن هذه المخططات، مهما بدت محكمة في ظاهرها، تتكسر في نهاية المطاف على صخرة القدرة الإلهية.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حين قال الله عز وجل:
﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.


