منذ أن طلع فجر الثورة الإسلامية عام 1979م، كانت الجماهير لصيقة بها، ولذا سميت بحق جمهورية. إنّها جمهورية في منشأها، وجمورية في فتوتها، وجمهورية في بلوغها، ونخبوية في نبوغها .
في النظام الإسلامي تحتل الأمة مكانة كبيرة في الدستور ويعطيها مساحة كبيرة في إضفاء الشرعية على الحكم ويمكن مشاهدة مكانة الأمة في الدستور من خلال نص المادة السادسة من الدستور حيث جاء فيها:« في الجمهورية الإسلامية الإيرانية يجب أن تدار أمور البلاد بالاعتماد على آراء العامة، عن طريق الانتخابات: انتخاب رئيس الجمهورية، نواب مجلس الشورى الإسلامي، أعضاء المجالس ونظائرها…» . إنّ هذا النص يؤكد أن جميع المؤسسات الحاكمة التنفيذية والتشريعية لا تتشكل إلا عبر صندوق الاقتراع، وأن النّاس من خلال الصناديق الإنتخابية لهم كلمة الفصل ، وقد شاهدنا حضورهم الكبير في الدورات الإنتخابية« الرئاسية، البرلمانية، مجلس الخبراء، المجالس المحلية» .
إنّها مشاركة واقعية وفعلية للشعب؛ تنتقل من المشاركة في الإنتخابات، إلى تشكيل البرلمان والحكومة ، وإلى مراقبتها ومحاسبتها ومن ثم تثبيتها إن نجحت أو عزلها إن فشلت. إنّه حضور حقيقي للأمة في مختلف المستويات والمجالات.
إنّ تكرار الانتخابات وبشكل منظم لعقود ( حوالي خمسة عقود) وحضور معظم الناس في مختلف الظروف يشير بشكل لا يقبل اللبس إلى أنّ النظام والشعب صنوان لايفترقان، وأن في البين عمقاً شعبياً في المشاركة السياسية الشعبية وأن النظام ليس نخبوياً مغلقاً، بل يستند إلى قاعدة عريضة من المجتمع.
لا نريد أن نحصر علاقة الشعب بالنظام الإسلامي بالحضور في عرصة الانتخابات، بل إلى أبعد من ذلك في حضور الشعب في المناسبات الدينية والوطنية ؛ فعند حضور الشعب في مراسم عاشوراء أو في المناسبات الدينية الأخرى فإنّ ذلك يعكس الهوية الدينية للنظام والتي تتطابق مع هوية الشعب الإسلامية. إنّ حضور الناس في المناسبات الوطنية والسياسية مثل ذكرى انتصار الثورة الإسلامية يعكس العلاقة العضوية بين النظام والشعب ويشير إلى أنه لديه قاعدة شعبية عريضة، وإنّ ذلك الحضور يعكس أيضاً الإنتماء للنظام ومصالح الوطن، ولا يعني ذلك بالضرورة الرضا عن الأداء الحكومي، بل الرضا عن أصل النظام وتوزيع القوى فيه .
إنّ الحاكم في النظام الإسلامي هو المسؤول وهو الخادم للشعب أي أنّه يترأس تلك الخدمة التي خوله الشعب له، وبهذا الصدد أنقل لكم أحد التعاليم التي رسختها الثورة الإسلامية وهي أن المسؤولية عبارة عن خدمة وليست وجاهة« في مرة قال الشهيد أبو مهدي المهندس: أننا نشأنا من ناحية تنظيمية على فكرة أن يكون أحدنا جندياً داخل الحزب وقائداً بين النّاس، لكن عندما جاءت الثورة الإسلامية علّمنا الإمام الخميني أن نكون خدام عند الشعب، وقادة داخل الحزب، وكان الإمام الراحل يؤكد على هذه الكلمة ( خدمة الناس).». وقد شاهدنا وسمعنا عن ( بعض) المسؤولين في إيران أنه دخل مدخل صدق في السلطة وأسندت إليه مسؤولية وزارة معينة ولم يكن يملك بيتاً فخماً أو أثاثاً فاخراً حينها ، وخرج مخرج صدق وتحرر من مسؤوليته كوزير وعاد إلى سيرته الأولى ولم يتغير حاله إلى أفضل الحال مادياً أو مالياً.
إنّ هذا السلوك والعمل قد صنع وعمق العلاقة والثقة بين الشعب وبين المسؤولين، ومما يؤسف له أنّه خرجت طائفة منهم عن حد الإعتدال؛ مثل باقي الشعوب وما يصيب بعض مسؤوليها من مرض عند النعمة؛ الأمر الذي أتى على الثقة فقتلها أو زحزحها عن محلها؛ وهو ما أصاب تلك العلاقة في الصميم .
بتصوري المتواضع لم يبق حدوداً ثقافية واجتماعية وأمنية وسياسية داخل أغلب الدول، وانتهى ما يسمى مفهوم الأمن الاجتماعي والوطني داخل حدودها الجغرافية بعد استباحتها في توظيف الفضاء المجازي من قبل الأجهزة الأمنية الخارجية والتي زيفت وحرّفت كثير من المفاهيم والتعاليم في كثير من الدول ومنها إيران على وجه الخصوص؛ ففي الوقت الذي حاصروها سياسياً واقتصاديا وعلمياً ودفاعياً، فتحوا على مجتمعها بتنوعه القومي مختلف السموم النفسية والسياسية والإعلامية وقلبوا لهم الحقائق رأساً على عقب، وخدعوا بعض النّاس، وتواصلوا معهم وفتحوا ثغرات أمنية وثقافية وإعلامية في جدار الجمهورية الإسلامية واصطادوا بعض البسطاء والمغفلين، وساقوهم نحو السراب والوهم.
إنّ فتح ثغرة في جدار النظام الإسلامي لا يعني أبداً أن النظام قد فقد أنصاره وقاعدته العريضة أو فقد القدرة والسيطرة، وإنما يشير إلى أن أي نظام في العالم من الممكن اختراقه.
إنّ النظام الإسلامي في إيران يحتفظ بقوة وقاعدة ثابتة موالية له من المؤمنين والمجاهدين من عامة النّاس، وقوات التعبئة، والحرس الثوري، والجيش، والأمن وغيرهم ، ولديه قوة وقاعدة متغيرة من عامة الناس يمكن اغرائهم وإغوائهم ( بالكافات الأربعة : كأس ، وكرسي، وكنز ، و..) وبالفعل فقد تمكنوا من الإيقاع بهم. وكان الإختراق الأخير والذي سمي بـ ( فتنة 18 و19 من شهر دي الإيراني) قد وقع في جزء من عشر المعشار من الناس، وهم نسبة لا يعتد بها أمام الطوفان البشري الإيراني الذي يبلغ حوالي(90) مليون نسمة.
ومن باب المثال عندما وقعت أعمال القتل والتخريب والتدمير من قبل ـ البلطجية والغوغائيين كما يسميهم النظام في إيران ـ من قبل عشرات أو مئات الأفراد في كل محافظة وصل عدد البلاغات من قبل الناس ضد ( المعارضة أو البلطجية) على رقم هاتف الحرس الثوري أكثر من ( 432) ألف بلاغ، هذا ناهيك عن البلاغات على رقم وزارة الأمن أو الاطلاعات الأمر الذي يعكس حجم التعاون بين المجتمع وبين قوى النظام الأمنية .
أعتقد أنّ هناك من هيأ الأرضية من الخارج حيث العدو الأمريكي والصهيوني يتربصان الدوائر، ومن الداخل حيث أتى مستصغر الشرر من ضعف الأداء عند بعض المسؤولين في أعلى الهرم الحكومي« ومعظم النار من مستصغر الشرر».
نعم لقد تهيأ بعض الناس نفسياً وإعلامياً سيما وأن ضغوط الحصار الاقتصادية والمعيشية قد أنشبت أظفارها فيهم و« كاد الفقر أن يكون كفرا».
في تحليل أولي عن استهداف القاعدة الشعبية؛ يمكن مشاهدة ذلك الضخ الإعلامي التحريضي الموجه للجماهير ضد النظام الإسلامي ، ومن باب المثال على تحريض الأعداء؛ فقد كان أحدهم في الانستیگرام لديه مايقرب من(2700 )مشاهد، ثم يصعد إلى خمسة ملايين مشاهد، وآخر لديه ألف ونيف ثم يصعد إلى الواجهة الإعلامية لرقم مليوني. لقد عمل التيلگرام والانستیگرام وغيرهما علی تشکیل صورة ذهنية سيئة عن النظام الإسلامي وحتى عند بعض الإيرانيين في أنك إذا عملت من أجل بلدك والدفاع عنه؛ فمعنى ذلك أنك تصبح عدواً للشعب. إنّها حرب إعلامية تأليبية ضد النظام الإسلامي في إيران حيث نشروا مئات المقاطع المفبركة والتي نسجوها ونسبوها زوراً وبهتاناً إلى الشرطة والحرس الثوري والأمن .
إنّهم بكل ذلك السعي العدواني الحثيث لفصل الشعب الإيراني عن نظامه الإسلامي يريدون أن يستحوذوا على خيرات إيران من ثروات نفطية وغازية هائلة. نعم يريدون تجزئة إيران ولا يسد ذلك الدين الأمريكي التريليوني المتزايد إلا إبتلاع ثرواتها وثروات الشعوب من شمال أفريقيا إلى آسيا المركزية حيث الحدود المتاخمة لروسيا والصين.
إنّ نموذج التحدي والاستقلال الذي أظهره النظام الإسلامي، وبناء القاعدة العقائدية الشعبية وتأثير ذلك في خارج حدود الجغرافية الإيرانية؛ يُنظر إليه من قبل قوى الهيمنة الغربية وعلى رأسهم امريكا وإسرائيل كتهديد استراتيجي لمصالحهم في المنطقة والعالم ولذا شحذوا أسلحتهم وكان بعضهم لبعض ظهيراً في ضرب مكامن القوة في النظام الإسلامي ومنها ولاء الجماهير له.
هناك نقطة قوية مستحكمة وكامنة في الجماهير الإيرانية لم تدركها أمريكا ولن تستطيع إدراكها أبداً؛ وهي أن الجماهير الإيرانية ملتصقة بعقيدتها وقد عمل النظام الإسلامي على تجذيرها وتؤامتها مع الهوية الوطنية في المجتمع، فلو هاجمت أمريكا العقيدة فإنها تهاجم الوطن، ولو هاجمت الوطن فإنها تهاجم العقيدة، ولو هاجمت أمريكا وحلفائها ذلك التوأم الديني والوطني فإنّها إنما تهاجم هوية الشعب ووجوده، وأظن أن كل مساعي الأعداء في ضرب هذه العقيدة الراسخة والفهم الوطني سيأتي بنتائج عكسية تماماً كما المسمار كلما إزداد عليه الضرب إزداد ثباتاً .
إنّ النظام الإسلامي ليس نظاماً عابر أو مخلوقاً استعماري حتى يمكن اجتثاثه، بل هو نظام حضاري عميق الجذور نما من رحم الشعب وتضحياته، ويمتلك مقومات البقاء والتطور « كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء».


