خريج المعهد الفني اربيل قسم المحاسبه واعمل ك مدقق حسابات في السليمانيه في شركه قطاع خاص
يُعدّ شارع المتنبي في بغداد واحداً من أبرز المعالم الثقافية والفكرية في العراق، بل وفي العالم العربي، لما يمثّله من ذاكرة حيّة للكتاب والقراءة والحوار الفكري. فهذا الشارع لم يكن مجرد سوق لبيع الكتب، بل تحوّل عبر عقود طويلة إلى فضاءٍ مفتوحٍ للوعي، وملتقى للنخب الثقافية، ومرآة تعكس نبض المجتمع العراقي وتحوّلاته السياسية والفكرية. يرتبط اسم شارع المتنبي بتاريخ طويل من الاهتمام بالعلم والمعرفة، إذ تعود جذوره إلى العهد العباسي، حين كانت بغداد عاصمة للثقافة والعلم، ومركزاً للترجمة والتأليف.
من النخبوية إلى الفضاء الشعبي: شارع المتنبي كمركز للحوار الفكري الحر ومنصة لتبادل المعرفة وصياغة الوعي الجمعي
وقد حمل الشارع اسم الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي، في دلالة رمزية على مكانة الكلمة والفكر في هذا الفضاء. ومنذ ذلك الحين، ظلّ الشارع محافظاً على هويته الثقافية رغم ما مرّ به العراق من أزمات وحروب وتقلّبات قاسية. يلعب شارع المتنبي دوراً محورياً في الحفاظ على ثقافة القراءة والكتاب، حيث تنتشر فيه المكتبات وبسطات الكتب القديمة والجديدة، التي تضم مختلف مجالات المعرفة من الأدب والفلسفة والتاريخ والسياسة إلى العلوم والدين.
ولا تقتصر أهميته على بيع الكتب فحسب، بل تكمن قيمته الحقيقية في كونه مكاناً يلتقي فيه القارئ بالكاتب، والمفكّر بالمواطن العادي، في حوارات مباشرة تسهم في نشر الوعي وتبادل الأفكار. كما يُعدّ شارع المتنبي اليوم مركزاً للحياة الثقافية العراقية، خصوصاً في يوم الجمعة، حيث يتحوّل إلى كرنفال ثقافي مفتوح، تُقام فيه الندوات، وتُلقى القصائد، وتُناقش القضايا الفكرية والاجتماعية. هذا الحضور الشعبي للثقافة يميّز الشارع عن غيره، إذ يخرج الكتاب من النخبة المغلقة إلى فضاء الناس، ليصبح أداة للتنوير لا للزينة. وعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهها الشارع، من إهمالٍ رسمي، وتراجع الاهتمام بالقراءة في ظل هيمنة وسائل التواصل السريعة، إلا أنه ما زال صامداً، محتفظاً بدوره كمركز للحوار الفكري.
أبعد من مجرد ورق: شارع المتنبي كذاكرة حية للوطن، ومسؤولية تاريخية تجمع بين الدولة والمجتمع لحماية مستقبل الفكر
وقد أثبت شارع المتنبي أن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة لبناء مجتمع واعٍ قادر على مقاومة الجهل والخرافة والتطرّف. إن أهمية شارع المتنبي لا تكمن فقط في ماضيه، بل في حاضره ومستقبله. فهو رمز لاستمرارية العقل العراقي، ودليل على أن الكتاب ما زال قادراً على الحياة رغم كل الظروف. ومن هنا، فإن الحفاظ على شارع المتنبي ودعمه ليس مسؤولية المثقفين وحدهم، بل مسؤولية المجتمع والدولة معاً، لأنه يمثل ذاكرة وطن، وصوت عقل، ونافذة أمل في زمن كثرت فيه العتمة.
