هل يُهيمن الأثرياء على الرأسمالية، وهل هم من يُحددون الأجندة السياسية؟

هل يُهيمن الأثرياء على الرأسمالية، وهل هم من يُحددون الأجندة السياسية؟
يؤكّد التحليل أنّ نفوذ الأثرياء في السياسة موجود لكنه أقل مما يُشاع، وأن المال لا يحسم النتائج الانتخابية دائماً. ويبيّن أنّ تقليل تدخل الدولة يحدّ من تأثير جماعات الضغط، وأن الاقتصادات الأكثر حرية غالباً أقل فساداً....

بقلم: الدكتور راينير زيتلمان

 ترجمة: د. مهند طالب الحمدي

يقول المفكر الأميركي نعوم تشومسكي، أحد أشهر منتقدي الرأسمالية، أن “التركيز الحقيقي للسلطة يكمن في يد جزءٍ ضئيل من 1% من السكان. إنهم يحصلون على ما يريدون بالضبط، لأنهم في الأساس يديرون الوضع”. ووفقاً لاستطلاعٍ دولي شمل 35 بلدًا كنتُ قد طلبتُ من شركة إبسوس موري المُختصة بالاستطلاعات إجرائه لاستخدام نتائجه في كتاب “دفاعًا عن الرأسمالية”، يبدو أن الناس في أغلب البلدان تعتقدُ أن الأغنياء يمتلكون كل السلطة في ظل الرأسمالية.

أود أن أواجه هذا التصور السائد بثلاثة أطروحات:

1. يُمارسُ الأثرياء نفوذاً سياسياً، ولكنهم لا يمتلكون القوة التي تحاول وسائل الإعلام وأفلام هوليوود وبعض الأكاديميين المُتحيزين ضد الرأسمالية إقناعنا بها.

2. يُعمل الأثرياء على تشكيل الأجندة السياسية، على سبيل المثال من خلال جماعات الضغط، وهو أمرٌ ليس مشروعاً في الديمقراطية التعددية فحسب، بل إنه مهمٌ أيضاً. ليس من غير المألوف أن تُفيد القوانين التي تخدم مصالح الأثرياء أيضاً أضعف أفراد المجتمع (على سبيل المثال التخفيضات الضريبية وإلغاء القيود التنظيمية).

3. أي شخصٍ يعتقدُ أن جماعات الضغط من الأثرياء، من خلال سعيهم لتحقيق مصالحهم الخاصة، تمارسُ نفوذاً كبيراً على السياسة، لابد أن يدعو إلى تقليل وليس زيادة دور الحكومة، أي المزيد من الرأسمالية. فكلما تدخلت الدولة في الاقتصاد (من خلال الإعانات والإفراط في التنظيم)، كلما زاد نفوذ جماعات الضغط.

تُعتبر الولايات المتحدة عموماً البلد الذي يُمارس فيه الأثرياء نفوذاً قوياً بشكلٍ خاص على التطورات السياسية. ولكن إن كان المال وحده يشتري السلطة السياسية، لما فاز الرئيس دونالد ترامب بترشيح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2016. كان من المُرجح أن يذهب هذا الشرف إلى السيد جيب بوش، الذي كان قادراً على جمع تبرعات سياسية أكثر. يعترف السيدان بنيامين بيج ومارتن جيلينز، وهما استاذان في العلوم السياسية واثنان من أبرز المؤيدين لفكرة أن السياسة الأميركية يديرها الأثرياء، بأن “معظم المُتبرعين الكبار بالمال، ومعظم خبراء الأبحاث، وحاملي المناصب من الجمهوريين، قد دعموا مرشحين آخرين”. و “إن مواقف الرئيس ترامب لم تكن تتعارض بشكلٍ مباشر مع آراء المُتبرعين الأغنياء والأمريكيين الأثرياء عموماً”.

علاوةً على ذلك، إن كان المال يُحدد النتائج السياسية، لما فاز الرئيس ترامب في انتخابات 2016. لقد جمعت السيدة هيلاري كلينتون والحزب الديمقراطي ولجان العمل السياسي التي دعمتها أكثر من 1.2 مليار دولار في الدورة الانتخابية وفقًا للجنة الانتخابات الفيدرالية. جمع الرئيس ترامب وحلفاؤه حوالي 600 مليون دولار. وإن كان المال وحده قادرًا على شراء السلطة السياسية، لما أصبح الرئيس جو بايدن رئيسًا أيضًا. ربما كان البيت الأبيض قد ذهب إلى رجل الأعمال الثري مايكل بلومبرغ، الذي كان في وقت حملته للترشح عن الحزب الديمقراطي ثامن أغنى رجل في العالم، بثروةٍ تُقدر ب 61.9 مليار دولار وفقًا لمجلة فوربس. على أي حال، أنفق السيد بلومبرغ من ماله الخاص (وأنفقه بشكلٍ أسرع) على حملته الانتخابية أكثر من أي مرشحٍ آخر في التاريخ، أي مليار دولار خلال فترة أكثر من ثلاثة أشهر بقليل.

قام أستاذ العلوم السياسية الأمريكي الدكتور لاري بارتلز بدراسة التأثير المُقدر للإنفاق غير المتكافئ على الحملات الانتخابية في 16 انتخابات رئاسية أمريكية من عام 1952 إلى عام 2012. في دورتين انتخابيتين فقط، وهما انتخابات الرئيس ريتشارد نيكسون عام 1968 والرئيس جورج دبليو بوش عام 2000، خلص الدكتور بارتلز إلى أن المرشحين الجمهوريين فازوا في انتخاباتٍ مُتقاربة كان من المُرجح للغاية أن يخسروها لو كانوا غير قادرين على الإنفاق على الحملات الانتخابية أكثر من خصومهم الديمقراطيين.

ولكن ماذا عن الحجة القائلة بأن أغلب أعضاء الكونجرس الأميركي هم أنفسهم أثرياء للغاية؟ في هذا الصدد، يعترفُ السيد مارتن جيلينز، الذي ينتقد عموماً تأثير الأثرياء على السياسة الأميركية، بأنه لا يوجد دليل على وجود صلة بين ثرواتهم والقرار السياسي الذي يتخذه أعضاء مجلس الشيوخ أو مجلس النواب.

يربط العديد من الناس بين “الرأسمالية” و”الفساد”. ولكن الرأي القائل بأن الفساد مُنتشرٌ على نطاقٍ واسع في البلدان الرأسمالية خاطئ بكل بساطة، كما تؤكده مقارنة “مؤشر مُدركات الفساد” من قبل منظمة الشفافية الدولية ب “مؤشر الحرية الاقتصادية” من قبل مؤسسة هيرتج. البلدان التي لديها أدنى مستويات الفساد هي البلدان ذاتها التي لديها أعلى مستويات الحرية الاقتصادية. كلما زاد تدخل الحكومات في الحياة الاقتصادية، كلما زادت فرص رشوة المسؤولين.

ومن ثم فإن أي شخص يُريد الحد من النفوذ غير الأخلاقي أو حتى “الإجرامي” للمواطنين الأثرياء على السياسة لابد وأن يدعو إلى الحد من تدخل الحكومة وليس المزيد منه.

*راينير زيتلمان: مؤرخ وعالم اجتماع ألماني، ومؤلف كتاب: “دفاعاً عن الرأسمالية.”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *