السودان بين فكيّ الطمع والنار (من جحيم الفاشر إلى دارفور المنسية)

السودان بين فكيّ الطمع والنار (من جحيم الفاشر إلى دارفور المنسية)
تشهد الفاشر صراعًا متجذرًا في التهميش والموارد، تفاقمته قوات الدعم السريع المدعومة خارجيًا عبر اقتصاد الذهب. ويتقاطع فيه نفوذ الإمارات وروسيا، ما يحوّله إلى مأساة إنسانية تتطلّب تفكيك الميليشيات، وضبط تجارة الذهب، وإصلاحًا سياسيًا شاملاً....

لم تعد الفاشر مجرّد مدينة سودانية في أقصى الغرب، بل غدت رمزًا للدمار الإنساني والتشابك الجيوسياسي في إفريقيا. فهناك، حيث يتقاطع الذهب مع البنادق، والدين مع الطمع، والأطماع الخارجية مع الانقسامات الداخلية، تُكتب واحدة من أكثر المآسي تعقيدًا في التاريخ الحديث.

هذا المقال يسعى إلى تحليل خلفيات الحرب في الفاشر و دارفور والسودان عمومًا، من خلال تناول الأسئلة الجوهرية، من أشعل شرارة الحرب؟ ما ذنب الأبرياء؟ من يقف خلف قوات الدعم السريع؟ ما حقيقة ثروة حميدتي؟ وما علاقة الإمارات وروسيا بهذه الفوضى الممتدة منذ أكثر من ثمانين عامًا؟

جذور الصراع في دارفور… بدأت ملامح الصراع في دارفور منذ عقود طويلة نتيجة التهميش السياسي والاقتصادي، واشتداد التنافس على الموارد الزراعية والمائية بين القبائل العربية وغير العربية. تفجّر الوضع عام 2003 عندما أعلنت حركتا تحرير السودان والعدل والمساواة تمرّدهما على الحكومة المركزية، لترد الأخيرة بمليشيات الجنجويد، التي تحولت لاحقًا إلى قوات الدعم السريع. قدّرت الأمم المتحدة عدد الضحايا بأكثر من 300 ألف قتيل وملايين النازحين، فيما وُصفت دارفور بأنها «أسوأ أزمة إنسانية في العالم» في مطلع القرن الواحد والعشرين.

من أشعل حرب الفاشر؟ وما ذنب الأبرياء؟… انفجرت الحرب في الفاشر تحديدًا بعد انهيار الهدنة بين الجيش السوداني (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF) عام 2023. تشير تقارير Yale Humanitarian Research Lab وThe Guardian إلى أن قوات الدعم السريع حاصرت المدينة وارتكبت أعمالًا ذات طابع تطهيري ضد جماعات غير عربية، ما أدى إلى نزوح جماعي وانهيار كامل في النظام الصحي والغذائي. أما الأبرياء، فهم الحلقة الأضعف، يدفعون ثمن صراع لا يد لهم فيه، سوى أنهم يعيشون على أرض غنية بالذهب، فقيرة بالعدالة.

من يقف خلف قوات الدعم السريع؟… تُعدّ قوات الدعم السريع وريثة مباشرة لمليشيات الجنجويد. أنشئت رسميًا عام 2013 لتكون قوة أمن داخلي تحت إشراف جهاز الأمن، لكنها سرعان ما تجاوزت صلاحياتها لتصبح قوة موازية للجيش. تشير دراسات Chatham House (2025) ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أنّ الدعم السريع تحوّل إلى كيان عابر للسلطة، مرتبط بشبكات تمويل خارجية، أبرزها الإمارات التي تُعد المستورد الأكبر للذهب السوداني، والذي يُستخدم لتمويل آلة الحرب.

حميدتي وثروته المبهمة… محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد الدعم السريع، انتقل من تاجر إبل إلى أحد أغنى وأخطر رجال السودان. يمتلك شركة “الجنيد”، التي تحتكر استخراج الذهب من مناجم دارفور وكردفان. وتشير تقارير Chatham House إلى أن حميدتي يسيطر على نحو 40% من إنتاج الذهب في السودان، ويبيع جزءًا كبيرًا منه للإمارات عبر قنوات غير رسمية. ثروته، التي تُقدّر بمليارات الدولارات، لم تأتِ من رواتب الدولة، بل من اقتصاد الحرب، والذهب المسروق، والعلاقات الإقليمية الغامضة.

الإمارات والخبث المستمر، الذهب مقابل الدم… من خلال دبي، تُغسل ثروات السودان المعدنية في أسواق الذهب العالمية. تؤكد تقارير TIME Magazine (2024) وChatham House (2025) أن الإمارات كانت المستفيد الأكبر من تهريب الذهب السوداني، حيث شكّل 90% من صادرات البلاد بين عامي 2020 و2023. وتشير Reuters (2025) إلى أن إغلاق الرحلات الجوية بين بورتسودان ودبي أضرّ بصادرات الجيش من الذهب، في حين استمرت شبكات الدعم السريع في التهريب بطرق غير مشروعة. إنها علاقة تقوم على معادلة بشعة، الذهب مقابل الدم، والمصلحة مقابل الأخلاق.

روسيا والقاعدة البحرية، صفقات الظل… روسيا لم تبتعد عن المشهد. فمنذ 2017 وهي تسعى لإنشاء قاعدة بحرية في بورتسودان على البحر الأحمر مقابل دعم عسكري وسياسي. تُظهر تقارير Jamestown Foundation (2024) وHorn Institute (2025) أن موسكو استخدمت شركات مثل «فاغنر» لتأمين مناجم الذهب وتهريبه، ودعمت حميدتي سياسيًا. وفي المقابل، يُعتقد أن حميدتي قدّم تسهيلات لوجستية لمصالح روسية في إفريقيا الوسطى وليبيا، ضمن شبكة نفوذ روسية متشعبة.

من دارفور إلى الفاشر، الخراب المستمر… منذ عهد البشير وحتى اليوم، لم تعرف دارفور الاستقرار. فمن سياسة الأرض المحروقة في مطلع الألفية، إلى القصف العشوائي في 2023، ظلت الولاية مسرحًا للعنف الممنهج. تشير منظمة العفو الدولية (2023) إلى أنّ المدنيين في دارفور يعيشون مأساة مزدوجة: بين قصف الجيش وهجمات الدعم السريع. مدينة الفاشر اليوم تُختصر في مشهد، مستشفيات بلا دواء، جثث في الشوارع، أطفال يبحثون عن الماء في أنقاض المنازل.

الجيش الوطني ومحاولة إثبات الذات… يحاول الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان إثبات أنه الممثل الشرعي للدولة، لكنه يواجه ضعفًا داخليًا وتشتتًا في القيادة. تُظهر تقارير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR, 2024) أن الجيش فقد السيطرة على أجزاء واسعة من دارفور والخرطوم، وأنه يعتمد على تحالفات قبلية مؤقتة. بينما يطرح البرهان نفسه كمنقذ وطني، إلا أن انخراطه في صراع السلطة حوّله إلى جزء من الأزمة لا إلى حلٍّ لها.

البرهان مقابل حميدتي، حرب الكرسي والذهب… الخصومة بين الرجلين ليست فقط عسكرية، بل سياسية واقتصادية. البرهان يُمثل الدولة الرسمية، وحميدتي يُمثل الدولة العميقة المموّلة بالذهب. وبينما يتحدث الأول عن “جيش وطني واحد”، يسعى الثاني لتأسيس واقع جديد تُدار فيه الدولة بمنطق الشركات والمليشيات. تصف مجلة (Foreign Policy 2024) هذا الصراع بأنه “حرب بين جنرالين، أحدهما يملك الدبابة، والآخر يملك الذهب”.

صراع الثمانين عامًا، من الاستعمار إلى اليوم… منذ استقلال السودان عام 1956، لم تعرف البلاد استقرارًا دائمًا.

. الحرب الأهلية الأولى (1955–1972)

. الحرب الثانية (1983–2005)

. انفصال الجنوب (2011)

. حروب دارفور (2003–2025)

كل مرحلة كانت تحمل مزيجًا من الطائفية، والتمييز، والفساد، والتدخل الأجنبي. ورغم تغيّر الأنظمة، ظل جوهر الأزمة واحدًا: الدولة الضعيفة التي تبتلعها المليشيات والطمع الخارجي.

الفاشر اليوم مرآة الجحيم… تصف تقارير (The Guardian  أكتوبر/ 31/ 2025) الفاشر بأنها “مدينة على حافة الإبادة”. الطرقات مقطوعة، الإمدادات الطبية منعدمة، والأهالي يعيشون تحت رعب القصف والجوع. فيها تتلاقى رمزية الحرب: الذهب تحت الأرض، الدم فوقها، وصمت العالم حولها. لم تعد الحرب في دارفور محلية، بل أصبحت اختبارًا لإنسانية العالم بأسره.

الطريق إلى الخلاص… لا خلاص للسودان إلا عبر نزع سلاح قوات الدعم السريع ودمج عناصرها ضمن هيكل الدولة بعد محاسبة المتورطين. فرض رقابة دولية على تجارة الذهب السوداني لقطع تمويل الحرب. إنشاء محكمة انتقالية سودانية دولية للتحقيق في الجرائم المرتكبة في دارفور. ضغط المجتمع الدولي على الإمارات وروسيا لإنهاء تدخلاتهما غير المباشرة. دعم المصالحة القبلية وإعادة الإعمار الإنساني في الفاشر ودارفور.

اخيراً في الفاشر، يتلاقى التاريخ والمأساة… ذهبٌ يُغذّي الحرب، وسياسةٌ تُغذي الجشع، ودينٌ يُستخدم لتبرير الدم. إنها ليست حربًا بين البرهان وحميدتي فحسب، بل بين ضميرٍ إنسانيٍ يئنّ وصمتٍ عالميٍ مريب. ستظل الفاشر تحترق ما دام الذهب يُهرَّب، والسلاح يُورَّد، والعدالة تُؤجَّل.

إنها مدينة لا تموت، بل تُعيد تعريف معنى الموت كل يوم.

المصادر

  1. الأمم المتحدة (UN News, 2025): “الوضع في دارفور: الأمم المتحدة تحذر من تفاقم الكارثة الإنسانية في الفاشر وسط تصاعد القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.”

(UN News, 2025. “Darfur crisis: UN warns of worsening humanitarian disaster in El Fasher amid escalating clashes between SAF and RSF.”)

  1. رويترز (Reuters, 2025): “تحليل: الإمارات تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب مزاعم دعمها لقوات الدعم السريع في السودان مقابل مصالح تجارية متعلقة بالذهب.”

(Reuters, 2025. “Analysis: UAE faces mounting pressure over alleged support for Sudan’s RSF in exchange for gold trade benefits.”)

  1. بي بي سي (BBC Arabic, 2025): “من هو محمد حمدان دقلو (حميدتي) وكيف أصبح أحد أغنى رجال السودان وقائد الميليشيا الأقوى في دارفور؟”

(BBC Arabic, 2025. “Who is Mohamed Hamdan Dagalo (Hemedti) and how did he become one of Sudan’s richest men and the most powerful militia leader in Darfur?”)

  1. مجلة فورين بوليسي (Foreign Policy, 2024): “روسيا تبحث عن موطئ قدم على البحر الأحمر عبر اتفاق مع قوات الدعم السريع في السودان.”

(Foreign Policy, 2024. “Russia eyes Red Sea foothold through RSF partnership in Sudan.”)

  1. موقع ذا غارديان (The Guardian, 2024): “دارفور: المدينة التي تحولت إلى جحيم بعد صراع البرهان وحميدتي.”

(The Guardian, 2024. “Darfur: The city that turned into hell after Burhan–Hemedti conflict.”)

  1. منظمة العفو الدولية (Amnesty International, 2025): “جرائم حرب في دارفور: المدنيون يدفعون الثمن في صراع بلا نهاية.”

(Amnesty International, 2025. “War crimes in Darfur: Civilians paying the price in an endless conflict.”)

  1. مركز الدراسات الإفريقية – جامعة الخرطوم (2023): “تحولات الصراع في دارفور من عهد البشير إلى صعود قوات الدعم السريع.”

(Center for African Studies – University of Khartoum, 2023. “Transformations of the Darfur conflict: From Bashir’s regime to the rise of the RSF.”)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *