(الكلداني المزدوج) ‌مارك في واشنطن و ريان في بغداد ‌سياسة الظلال قد تفكك المحاصص

(الكلداني المزدوج) ‌مارك في واشنطن و ريان في بغداد ‌سياسة الظلال قد تفكك المحاصص
تعيين المبعوث الكلداني مارك سفايا يعكس تحوّلًا في معادلة العراق، حيث يتقاطع الدور الأميركي مع صعود القيادات المسيحية الوطنية كريان الكلداني، إيذانًا بإعادة التوازن وتصحيح نظام المحاصصة السياسية....
‌قبل أسبوع واحد من قرار (ترامب)، بتعيين (مارك سفايا)، مبعوثاً خاصاً إلى العراق، كنت قد نشرت مقالاً بعنوان “نحو تصحيح المحاصصة في العراق: دعوة لمنح رئاسة البرلمان أو الجمهورية للمسيحيين”، تحدثت فيه عن حتمية صعود الدور المسيحي في المعادلة السياسية المقبلة.

‌اليوم، يأتي هذا القرار المفاجئ ليؤكد أن ما كتبته لم يكن قراءة عاطفية، بل استشعاراً مبكراً لحركة خفية في عمق الكواليس، حيث تُصنع التوازنات الجديدة وتُرسم خرائط السلطة القادمة، مارك في واشنطن و ريان في بغداد؛ ربما يعرفان بعضهما بقدر ما، لكن سياسة الظلال، التي تجمعهما قد تكون أول خيط في تفكيك منظومة المحاصصة، التي كبّلت العراق لعقدين.

تصحيح التوازن

‌ومن غرائب السياسة العراقية أن واشنطن، التي خطّت أول مسودة للمحاصصة عام 2003، تعود بعد عقدين لتتحدث عن “تصحيح التوازن”، وكأنها نسيت أنها من زرع بذور الاختلال نفسه، ولكن المفارقة أن التصحيح هذه المرة لا يأتي عبر ضابط أو خبير نفط، بل عبر “مارك سفايا” المبعوث الأميركي الجديد إلى العراق، وهو مسيحي كلداني من أصول عراقية، يحمل في اسمه مزيجاً من الذاكرة والوظيفة، بين “مارك” الأميركي و“سفايا” العراقي.

‌ولعل قرار الرئيس الأميركي ترامب بتعيين مبعوث خاص من أصل كلداني أثار موجة من التساؤلات في بغداد وأربيل، لأن الرجل ليس دبلوماسياً تقليدياً، بل يحمل خلفية روحية وثقافية مسيحية واضحة، ما جعل البارزانيين يشعرون بالقلق من أن واشنطن تريد سحب الورقة المسيحية من تحت عباءتهم، وإعادتها إلى مركز القرار العراقي في بغداد وليس الإقليم.

‌وكانت — ولا تزال — مناطق سهل نينوى وأربيل ودهوك مسرحاً لتجاذبات ناعمة بين العائلة البارزانية والمكوّن المسيحي، حيث يسعى الإقليم منذ سنوات إلى ربط مصير المسيحيين بالمشروع الكردي، تارة باسم الحماية، وتارة باسم الشراكة، إلا أن المثير في هذه المرة أن الورقة المسيحية لم تعد بيد الإقليم وحده، بل ظهرت قوة داخلية موازية اسمها حركة بابليون، يقودها الشيخ ريان الكلداني، الذي نجح في جعل المكوّن المسيحي جزءاً من المعادلة الوطنية لا ملحقاً بها.

‌و “ريان الكلداني” لا يعيش في المنفى، ولا يرفع شعاراً طائفياً، بل يمثل جيلاً جديداً من القيادات المسيحية، التي قاتلت الإرهاب وساهمت في تحرير الأرض، ثم دخلت السياسة من باب الدولة لا من باب السفارات، وبين “مارك الكلداني” في واشنطن و“ريان الكلداني” في بغداد، تبدو المفارقة أشبه بحوار صامت بين الخارج والداخل، الأول يحمل التفويض الأميركي، والثاني يحمل الشرعية الوطنية، وكلاهما — ربما بتنسيق خفي — يعيدان تعريف مكانة المسيحيين في مستقبل العراق.

‌وقد يبدو هذا التلاقي غير المعلن بداية لتصحيح المعادلة السياسية، واحتمالاً جريئاً، لكنه ليس مستحيلاً، فالعراق اليوم يقف على عتبة انتخابات جديدة، والمزاج العام يميل إلى إعادة توزيع الثقة قبل إعادة توزيع المناصب، وفي ظل هذا المزاج، تبدو فكرة منح إحدى الرئاسات (البرلمان أو الجمهورية)، إلى شخصية مسيحية كلدانية خياراً قابلاً للنقاش، لا حلماً رومانسياً، خصوصاً إذا حظي هذا التوجه بدعم ضمني من واشنطن عبر مبعوثها الكلداني، الذي قد يسعى لتثبيت حضور متوازن للمسيحيين في الدولة العراقية، بعيداً عن وصاية الإقليم وتهميش المركز.

‌ومن هنا تأتي “الدورة النيابية السادسة” — كما بدأ البعض يسميها — لا تعني خلق منصب جديد، بل تعني خلق وعي جديد، بأن التوازن لا يكون بعدد المقاعد بل بتمثيل الضمير الوطني في مؤسسات الدولة، وإذا كان المسلمون قد احتكروا الرئاسات الثلاث لاعتبارات ديموغرافية، فإن العراق، الذي قدّم ملايين الشهداء باسم التعايش، لا يمكن أن يضيق بمنح رئاسته الرمزية إلى مكوّن عانى بصمت ودفع ثمن كل الحروب دون أن يشارك في صناعتها.

‌ربما لا يدرك “مارك سفايا” أنه، بمجرد دخوله هذا الملف، فتح باباً عراقياً مغلقاً منذ عقدين، فالمسيحيون، الذين هُجّروا من الموصل وسهل نينوى، باتوا اليوم يمتلكون حركة سياسية منظمة، وزعامات قادرة على الحوار مع الجميع من دون تبعية، والمفارقة أن مبعوثاً أميركياً قد يعيد من حيث لا يدري تعريف الوطنية في العراق، حين يضع ضوءاً خافتاً على مكوّن كان دائماً في الظل، وسيكتشف العراقيون أن تصحيح المحاصصة قد بدأ فعلاً، عبر (الكلداني المزدوج)، مارك وريان.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *