
رسميًا العراق في أجواء السباق الانتخابي الذي يشبه في طبيعته معركة وجود أكثر من كونه تنافساً ديمقراطياً يحث المواطن على انتخاب من يجدونه الأصلح. لكن ما شهدناه في الفترة الأخيرة من حملات “مقاطعون” قد غيّر واجهة المشهد السياسي، وجعل الشعب أمام خيارات معقدة. إذ لا يرى المواطن في العملية السياسية رجالاً نزيهين مستقلين، حتى الشرفاء منهم ينتمون إلى كتل وأحزاب غارقة في الفساد. هذه الحقيقة أدخلت الشارع العراقي في دوامة من التخبط، لتظهر ملامح مفاجآت جديدة قد تعيد تشكيل المشهد برمته.
مشهد انتخابي يتسم بالتسقيط
المشهد السياسي يتجه نحو مرحلة حاسمة عنوانها التسقيط والاتهامات والوعود المتكررة. وعود لم تعد تقنع الناخب الذي بات يدرك أن الكذب أصبح سمة بارزة للمرشحين، وأن شراء الأصوات صار ممارسة علنية. المواطن تحول إلى ضحية سجالات سياسية، وإلى سلعة في سوق لا يمر فيه سوى اللصوص وقطاع الطرق والقتلة. ومع تصاعد هذه الممارسات، تزداد حالة الإحباط والشكوك في نفوس الناس، حتى أصبح الاعتقاد شائعاً بأن نتائج الانتخابات محسومة سلفاً، وأنها مجرد ذريعة شرعية لبقاء الأحزاب المهيمنة في السلطة.
أدوات الصراع: الإعلام والتسريبات
الأحزاب من جهتها بدأت بتجهيز ما تملكه من أوراق، سواء عبر القنوات الإعلامية أو الحملات الإلكترونية المنظمة التي تُدار بمهارة. هذه الحملات تهدف إلى تشويه صورة الخصوم وكشف تسجيلات صوتية أو تسريبات محرجة يتم إخراجها في توقيتات محسوبة بدقة. الهدف هو إرباك الساحة السياسية، وإشعال غضب الجمهور، وتحويل العملية الانتخابية إلى معركة نفسية قبل أن تكون صناديق اقتراع. هذه الاستراتيجية لم تعد خافية على العراقيين الذين باتوا يتابعون تلك الحرب الإعلامية وكأنها جزء من مسرحية متكررة.
ساعة الصفر: الأول من تشرين الثاني
مع دخول الأول من تشرين الثاني ٢٠٢٥ بدأت ساعة الصفر الفعلية للسباق الانتخابي. منذ هذا التاريخ تصاعدت الحرب الكلامية والمعارك الإعلامية بشكل ملحوظ، لتحوّل العملية الانتخابية إلى اقتتال لفظي وتناحر علني بين القوى السياسية. وكما جرت العادة، يكون الضحية في نهاية المطاف هو الشعب الذي يُستخدم وقوداً لهذا الصراع. من مشروع ديمقراطي مأمول إلى ساحة مفتوحة للصراع السياسي تتقاطع فيها المصالح الداخلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية.
المواطن بين وعود كاذبة وواقع مأزوم
بين كل هذا الصخب، يقف المواطن العراقي حائراً بين وعود لا تتحقق وواقع يزداد صعوبة يوماً بعد يوم. العراق بحاجة ماسة إلى خدمات حقيقية، لا إلى كلمات منمقة تُقال أمام شاشات التلفاز المملوكة للأحزاب. المواطن يريد واقعاً ملموساً مبنياً على المصداقية والجدية، لكن ما يحصل فعلياً هو العكس. فالأزمات الاقتصادية والخدماتية والأمنية ما زالت تراوح مكانها. لا إقرار للموازنة، ولا مشاريع تنموية حقيقية تخفف الضغط عن الحياة اليومية للمواطن، بينما النخب السياسية غارقة في ترتيب تحالفاتها ومصالحها الضيقة.
فجوة متسعة بين السلطة والشعب
المشهد يعكس مرة أخرى الفجوة الكبيرة بين طبقة سياسية تتصارع على الكراسي، وشعب يبحث عن الأمان والعدالة والكرامة. هذه الهوة تزداد عمقاً مع كل أزمة مؤجلة وكل مشروع متعطل. وما يجعل المرحلة المقبلة أكثر خطورة هو أن أدوات التسقيط السياسي وكشف الأسرار قد تتجاوز الخطوط التقليدية المعهودة لتصل إلى مستويات غير مسبوقة من تبادل الضربات. حينها لن يبقى مجال للثقة الشعبية في العملية السياسية، لتتحول الانتخابات من وسيلة للتغيير إلى مسرح للعجب العجاب، كما يصفه العراقيون في أحاديثهم اليومية.
لتتأكد مرة أخرى أن الفجوة الكبيرة بين شعبان يتصارعان على الكراسي… والشعب الذي يبحث عن الأمان والعدالة والكرامة. وما يجعل المرحلة المقبلة أكثر حساسية هو أن ما سيجري من تسقيط وكشف أسرار قد يتجاوز الخطوط التقليدية ليصل إلى مستويات غير مسبوقة من تبادل الضربات، التي قد تعصف بما تبقى من ثقة الشارع بالعملية السياسية برمتها، لتتحول الانتخابات من أداة للتغيير إلى مسرح للعجب العجاب كما يصفه الشارع العراقي.


