عام مضى على رحيل الرجل الذي ظلّ ، حتى لحظاته الأخيرة ، صامداً على جبهات القول والفعل ، متمسكاً بخيط المقاومة كأنما هو قدر مقدّس ، لا يُفكّ ولا يُنكث . تمرّ الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد السيد حسن نصر الله ، وسط حالة من الصمت المهيب في لبنان والمنطقة ، كأن الحبر جفّ عن اسمه ، لكنه ما زال يُكتب في ضمائر الأوفياء .
رحل حسن نصر الله ، لكنه لم يغِب .
لقد اختار أن يعيش كصوتٍ لا يُقهر ، وكظلّ لا يفارق ، وكفكرة تجاوزت جسده إلى ما هو أوسع “” إلى مشروع مقاومة ، وثقافة صبر ، وعقيدة شعبٍ رأى فيه رجلاً يشبهه ، يحمل وجعه ، وينطق لغته ، ويقاتل باسمه .
رجل المرحلة ، وصانع ميزان الردع .
من الصعب الحديث عن حسن نصر الله من دون التوقف عند تحوّلات المنطقة التي كان فيها شاهداً ، بل وصانعاً في كثير من مفاصلها . لم يكن مجرد أمين عام لحزب لبناني ، بل تجسّد ، في لحظة من لحظات التاريخ ، كرمزٍ لقوة الإرادة السياسية في وجه الهيمنة .
حين تولّى الأمانة العامة لحزب الله في التسعينيات ، ورث مشروع مقاومة ميداني ، لكنّه زرع فيه عقلاً استراتيجيا ورؤيةً سياسية عابرة للحدود . جاءت حرب تموز/يوليو 2006 ، لتشكل اختباراً صلباً لهذه الرؤية . وبشهادة الخصوم قبل الأصدقاء ، خرج منها الرجلُ أقوى مما دخل ، وبات عنوانًا لتحوّل المعادلات في الشرق الأوسط .
ولم يكن الانتصار في الحرب مجرد نصر عسكري ، بل نصر في معركة الوعي . حسن نصر الله لم يقاتل الدبابات فقط ، بل قاتل الخطاب الإعلامي ، والسياسة الدولية ، وصياغة المفاهيم .
من الصوت إلى الصمت ، من الشاشة إلى الذاكرة
كان ظهوره التلفزيوني حدثاً بحد ذاته . بعمامته السوداء وصوته المتزن ، شكّل مادةً لا تُشبه القادة التقليديين . قليل الكلام ، شديد التأثير . من تحت الأرض أحياناً ، أو من خلف الشاشات ، خاطب جمهوره بلغة القلب والعقل معاً .
لكن عام 2024 كان مختلفاً .
في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ لبنان والمنطقة ، وبعد تصاعد وتيرة الاشتباك مع الاحتلال الإسرائيلي ، جاء نبأ استشهاد السيد حسن نصر الله كزلزال عاطفي وسياسي . لم تكن التفاصيل كاملة ، ولم تُكشف كل الخيوط . ما عُرف فقط ، أن الرجل قضى وهو يمارس دوره الطبيعي ، قائداً في زمن المواجهة ، لا مختبئاً خلف الكواليس .
بعده… ماذا تغيّر ؟ وماذا تبقّى ؟
الغياب الجسدي لحسن نصر الله طرح سؤالًا وجودياً على من أحبّه ومن خاصمه ، ماذا بعد؟ هل المشروع الذي بناه مرهونٌ بشخصه؟ أم أن الإرث الذي تركه كفيلٌ بأن يُكمل الطريق؟
في الذكرى الأولى ، يُمكن القول إن بصماته ما زالت حاضرة في ،
الخطاب السياسي للمقاومة ، الذي لم يتزحزح عن ثوابته .
المنظومة الأمنية والعسكرية التي أسّس لها ، وازدادت تطوراً بعده .
الخط الوجداني والروحي الذي جعله قريباً من عامة الناس ، حتى في أشد لحظات الاحتقان الطائفي والسياسي .
شخصية جدلية ، وموقف لا يتراجع
لم يكن حسن نصر الله شخصية عابرة في تاريخ لبنان . كان مثاراً للجدل ، بقدر ما كان ملهمًا. اتهمه البعض بالارتهان ، ومدحه آخرون بالثبات . لكن أحداً لم يستطع أن ينكر حضوره الطاغي ، ولا قدرته على التأثير .
لقد جمع بين الكاريزما والدهاء ، بين البساطة والتعقيد ، بين الإيمان العميق بالحتميات العقائدية ، والمرونة السياسية التي تُفاجئ حتى أشرس خصومه .
في الختام ..
حين يغيب الرجال ، تبقى المبادئ
في زمن التحوّلات الكبرى ، نحتاج إلى من يُذكّرنا أن الوقوف في وجه العاصفة ليس جنوناً ، بل خياراً واعياً . هكذا عاش حسن نصر الله ، وهكذا مات . لم يسعَ إلى السلطة ، بل إلى مشروع ، ولم يُهادن من أجل مكسب ، بل سلك درباً وعراً كي يترك خلفه أثراً لا يُمحى .
في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاده ، لا تزال صورته محفورة في ذاكرة الأمة ، ليس كزعيم ، بل كأيقونة مقاومة ، تُعلّم الأجيال أن الصبر على المبادئ أثمن من النصر المؤقت .
رحم الله القائد الشجاع المحبوب حسن نصر الله واسكنه فسيح جنانه


