منذ فجر التاريخ، شكّلت مسألة الهيمنة موضوعًا محوريًا في العلاقات الإنسانية والسياسية، إذ ظلّ الأقوى يسعى إلى فرض إرادته على الأضعف، سواء عبر القوة العسكرية أو السيطرة الاقتصادية أو الاختراق الثقافي والفكري. غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح في ظل واقعنا المعاصر هو، هل يحق للهيمنة أن تسحق الآخر، وتطمس وجوده، وتُذيب خصوصيته في بوتقة الاستعباد العالمي؟
هذا التساؤل يتجسّد بوضوح في المأساة الإنسانية التي تعيشها غزة، حيث تبدو وكأنها مسرح مكشوف لتمظهرات الاستكبار العالمي الذي يمنح شرعيةً لآلة القتل، ويغضّ الطرف عن معاناة ملايين البشر، في مشهد يختبر فيه الضمير الإنساني والشرعة الدولية بأسرها.
مفهوم الهيمنة في الفكر السياسي… الهيمنة ليست مجرد قوة عسكرية عابرة، بل هي نسق فكري وسياسي واقتصادي يقوم على إخضاع الآخر. ويعرّف أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci) الهيمنة بأنها قدرة الطبقة المهيمنة على فرض رؤيتها للعالم على باقي الطبقات، بحيث تبدو هذه الرؤية وكأنها “الحقيقة الطبيعية” الوحيدة المقبولة. وفي السياق الدولي، تتحوّل الهيمنة إلى بنية فوقية تمارس نفوذها عبر أدوات متعددة:
*القوة الصلبة (Hard Power): السلاح، الاحتلال، الحصار.
*القوة الناعمة (Soft Power): الثقافة، الإعلام، العولمة، الهيمنة الفكرية.
*القوة الذكية (Smart Power): الدمج بين السلاح والإعلام والاقتصاد لتطويع الآخر.
هذه المفاهيم لا تبقى حبيسة النظريات الأكاديمية، بل تنعكس بجلاء على سياسات الدول الكبرى التي تبرر تدخلاتها في شؤون الشعوب الضعيفة تحت شعارات زائفة مثل “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان”.
الاستكبار العالمي كمنظومة هيمنة… اصطُلح في الأدبيات الإسلامية، لا سيما في خطاب الإمام الخميني (رحمه الله)، على استخدام مصطلح الاستكبار العالمي للدلالة على تلك القوى التي تسعى إلى السيطرة على الشعوب وسلب إرادتها.
ويتجلّى هذا الاستكبار في:
*السيطرة على القرار السياسي في دول الجنوب.
*نهب الثروات الطبيعية عبر أدوات اقتصادية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
*دعم أنظمة استبدادية وظيفتها حماية مصالح القوى الكبرى.
*ازدواجية المعايير في قضايا حقوق الإنسان والشرعية الدولية.
وما يحدث في فلسطين وغزة بشكل خاص، يمثل النموذج الأوضح لهذه الهيمنة التي تستبيح حياة البشر بلا رادع.
غزة كمرآة للهيمنة الظالمة… تُعتبر غزة مختبرًا حيًا لفهم طبيعة الهيمنة المعاصرة. فالقطاع الصغير المحاصر منذ أكثر من عقد ونصف يعيش معادلة غير متكافئة، شعب أعزل محاصر، في مواجهة آلة عسكرية مدججة بأحدث الأسلحة، مدعومة دعمًا غير محدود من قوى الاستكبار العالمي.
الحصار كأداة للهيمنة… منذ عام 2007، فُرض على غزة حصار خانق جوًا وبحرًا وبرًا، حرم سكانها من أبسط مقومات الحياة. هذا الحصار ليس إجراءً أمنيًا كما يُروّج، بل هو شكل من أشكال “العقاب الجماعي” الذي تحظره القوانين الدولية.
الحروب الدورية… تعرضت غزة لسلسلة من الحروب (2008، 2012، 2014، 2021، 2023) أوقعت عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى. كل حرب تكشف مدى الانحياز الفج للقوى الكبرى التي تمنح “حق الدفاع عن النفس” للمعتدي، بينما تُلغي وجود الضحية.
الازدواجية الدولية… في الوقت الذي تُحرَّك فيه المنظمات الدولية بسرعة لحماية أقليات في مناطق أخرى، تبقى غزة خارج أي إطار حماية حقيقي. هذا يعكس بوضوح أن الهيمنة لا تسعى إلى حماية الإنسان، بل إلى حماية مصالحها.
هل يملك المستكبر شرعية سحق الآخر؟… من منظور أخلاقي، فلسفي، وقانوني، لا يمكن تبرير هيمنة تسحق الآخر.
*أخلاقيًا: إنّ سحق الآخر ينسف مبدأ الكرامة الإنسانية الذي كرّسته كل الديانات السماوية والفلسفات الإنسانية.
*قانونيًا: المواثيق الدولية، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) واتفاقيات جنيف، تنصّ على حماية المدنيين وعدم جواز العقاب الجماعي.
*فلسفيًا: فلاسفة مثل كانط أكدوا أن الإنسان غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق مآرب القوة.
وبالتالي فإن الهيمنة التي تشرعن سحق الآخر تسقط أخلاقيًا وقانونيًا وإنسانيًا، حتى لو امتلكت أدوات القوة العسكرية والسياسية.
المقاومة كفعل نفي للهيمنة… حينما تُفرض الهيمنة على شعب ما، يصبح المقاومة ردًا طبيعيًا وشرعيًا، فهي التعبير الأسمى عن رفض الاستعباد. وفي حالة غزة، المقاومة ليست خيارًا تكتيكيًا بل ضرورة وجودية.
*فقهيًا: أقرّ الفقه الإسلامي بمشروعية الدفاع عن النفس والديار والعرض.
*قانونيًا: المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تعطي الحق للشعوب في الدفاع عن نفسها ضد العدوان.
*واقعيًا: المقاومة أعادت التوازن النسبي وأثبتت أن الهيمنة ليست قدرًا محتومًا.
أبعاد الصراع في غزة كنموذج عالمي… القضية الغزّية ليست محلية فقط، بل هي تجلٍّ لصراع عالمي أوسع.
*صراع على السردية: الإعلام الغربي يقدّم صورة مقلوبة، تجعل الضحية جلادًا والجلاد ضحية.
*صراع على الذاكرة: محاولات طمس الهوية الفلسطينية وإلغاء حق العودة.
*صراع على الشرعية: بين شرعية القوة (الاحتلال المدعوم عالميًا) وشرعية الحق (صمود الشعب).
السؤال الذي بدأنا به المقال، هل يحق للهيمنة أن تسحق الآخر؟، يجد إجابته الصارخة في واقع غزة. فالهيمنة حين تتحول إلى استكبار، تصبح مشروعًا لا إنسانيًا، لا أخلاقيًا، ولا قانونيًا. غزة، رغم جراحها، تقدّم للعالم درسًا بليغًا في أن سحق الآخر ليس قدرًا محتومًا، وأن المقاومة والتمسك بالحق قادرة على كسر معادلة القوة الجائرة.
إن مأساة غزة لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل تمثل اختبارًا للقيم الإنسانية جمعاء. فإما أن يظل العالم أسيرًا لهيمنة تشرعن القتل والظلم، أو أن ينهض ليؤسس لنظام عالمي أكثر عدالة، حيث لا يحق لأحد، مهما بلغت قوته، أن يسحق الآخر.


