الأولويات الهامة للانتخابات البرلمانية العراقية 2025: النجف

الأولويات الهامة للانتخابات البرلمانية العراقية 2025: النجف
يعرض النص بروفايل النجف ودينامياتها الانتخابية منذ 2021، ويرصد تحوّل النفوذ بعد انسحاب الصدريين وصعود القوى التقليدية محلياً، مع توقع منافسة بين دولة القانون والإعمار والتنمية والبديل، وتأثير العشائر والمرجعيات وإيران، دون تغييرات بنيوية مرتقبة....

شهد النظام السياسي الذي تم تأسيسه في العراق بعد عام 2003 تحولات على المستويين المؤسسي والمجتمعي مع مرور الوقت. وكانت محافظة النجف من أهم المراكز وأكثرها رمزية في هذا التحول، حيث تتميز النجف بأهميتها الدينية والتاريخية إضافة إلى حضورها في المشهد السياسي الشيعي، كما تتمتع بقدرتها على التأثير في التوجهات السياسية في عموم العراق.

وفي هذا السياق، فإن من الأهمية تحليل المراحل الانتخابية في محافظة النجف، وتداعيات الديناميات السياسية والاجتماعية التي تشكلها على توجهات الناخبين في الانتخابات البرلمانية العراقية المقبلة المقرر إجراؤها في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 وفي هذا الإطار، يجب دراسة التوازنات السياسية الراهنة في المحافظة وتأثيرها على الانتخابات البرلمانية المقبلة، وتناول التوجهات الداخلية والخارجية لناخبي النجف والعوامل المؤثرة في خيارات الناخبين وتأثير المرجعيات الدينية والمؤسسات العلمية في النجف على العملية الانتخابية.

بروفايل محافظة النجف

تقع محافظة النجف جنوب غرب العاصمة بغداد، وهي على بعد أكثر من 160 كيلومترا من بغداد. يحدها من الشمال محافظة كربلاء، ومن الجنوب محافظة المثنى ومن الشرق محافظة القادسية، ومن الغرب محافظة الأنبار. لذلك، تعتبر المحافظة مفتاحا لمنطقة الفرات الأوسط[1]. تبلغ مساحة محافظة النجف 11529600 دونم، أي ما يعادل 7.3% من إجمالي مساحة العراق (باستثناء الإقليم الكردي في العراق). ووفقا لتقديرات عام 2020، يبلغ عدد سكان المحافظة 1107011 نسمة ، ومدنها الرئيسية بناء على المساحة وعدد السكان والأهمية الاقتصادية هي النجف والكوفة والمناذرة والمشخاب والحيدرية والحيرة والعباسية والقادسية والشبكة. تقع غالبية التجمعات السكانية في المحافظة ضمن السهل الرسوبي في الجهة الشمال شرقية بسبب خصوبة التربة الناتجة عن موارد مياه نهر الفرات وروافده في المحافظة. تقع مدينة الشبكة التي تعتبر المركز الحضري الوحيد للمحافظة في الجزء الأوسط الغربي

منها حيث تنخفض خصوبة التربة ويعتمد مصدر المياه فيها على المياه الجوفية عالية الملوحة، وإضافة إلى ذلك ووفقا للبيانات الرسمية لعام 2019، تضم المحافظة 53 حيا عشوائيا وتضم هذه الأحياء 26843 مسكنا. وتشير التوقعات إلى احتمالية ارتفاع هذه الأعداد خلال السنوات الست الأخيرة.[2]

لم تصدر الحكومة العراقية جميع بيانات التعداد العام للسكان والمساكن خلال الانتخابات التي جرت في فبراير شباط 2025، لكن يمكن القول إن التوزيع الديموغرافي للسكان في النجف متوازن من حيث نسب الجنسين في المناطق الحضرية والريفية. أما فيما يتعلق بالتوزيع من حيث الفئة العمرية، فإن النجف تعد من المحافظات التي تتميز بسكانها الشباب، حيث تشكل الفئة العمرية 41-0 عاما 35.93% من إجمالي السكان، بينما تشكل الفئة العمرية 15-64 عاما 60.67%. وهذا يجعل المحافظة منطقة واعدة فيما يتعلق بإيجاد قوى عاملة مناسبة لمختلف الأنشطة الاقتصادية. ونظرا لعدم قدرة سوق العمل على تلبية احتياجات الطلب، من المتوقع أن يرتفع معدل البطالة إلى 16.6% في عام 2024[3]

ليس هناك إحصاءات رسمية حول اقتصاد النجف، إلا أن من المعروف أن إنتاج الحبوب والفواكه والخضراوات في المحافظة لاسيما الأرز، يمثل %54% من إجمالي الإنتاج -وإضافة إلى ذلك، فإن تربية الحيوانات المرتبطة ارتباطا وثيقا بالإنتاج الزراعي لها دور هام في المحافظة، حيث تعد تربية الجاموس والماعز والإبل والبقر من أبرز هذه الحيوانات. إلا أن الإنتاج الزراعي انخفض وتوسعت المناطق الحضرية في السنوات الأخيرة جراء الهجرة -الداخلية وانخفاض هطول الأمطار وتناقص تدفق المياه من نهر الفرات.[4]

أما من الناحية الصناعية، فتتمتع النجف بإمكانيات كبيرة تؤهلها لأن تصبح مركزا صناعيا هاما بفضل مواردها الخام والمعدنية المتعددة، ولكن الاستثمار في هذه الموارد والمواد الخام ليس على المستوى الأمثل حاليا.

وإضافة إلى ذلك، ووفقا لبيانات عام 2020، هناك 31 منشأة صناعية كبيرة و 15 منشأة متوسطة الحجم و 2112 منشأة صغيرة في المحافظة. جدير بالذكر أن عدد الفعاليات التجارية والخدمية بلغ 61974 فعالية في العام 2017. إلا أن اقتصاد النجف يواجه عددا من التحديات.

ومن بين هذه التحديات النمو السكاني، والهجرة الداخلية من المناطق الريفية إلى المدن، والاقتصاد القائم على الربع، والتغير المناخي، وعدم كفاية مياه الأمطار والأنهار، وانخفاض المخصصات المالية والصعوبات في إدارة ميزانيات الاستثمار وعدم وجود نظام تعليمي يلبي احتياجات التطور الاقتصادي والصناعي، فضلا عن الفساد الإداري والفساد المالي.[5]

تجربة الانتخابات في النجف

جرت انتخابات الدورة الخامسة التي أفرزت أعضاء مجلس النواب العراقي الحالي في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2021. ويشار هنا إلى أن هذه الانتخابات كانت مقررة في عام 2022 وفق التقويم الدستوري إلا أنها أجريت مبكرا قبل عام من الموعد المحدد، وأقيمت وفق دوائر انتخابية ضيقة، وجرت الانتخابات وسط بيئة سياسية داخلية شديدة التعقيد والاضطرابات عقب مظاهرات أكتوبر/ تشرين الأول 2019 التي أدت إلى تعليق عمل مجالس المحافظات وأفرزت هذه الانتخابات 12 نائبا برلمانيا اختيروا لتمثيل النجف في مجلس النواب، حيث تم تقسيم محافظة النجف إلى ثلاث دوائر انتخابية.

نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2021.

كتلة الصدر/ عدد المقاعد: 5

المرشحون المستقلون/ عدد المقاعد: 4

ائتلاف دولة القانون/ عدد المقاعد: 2

حركة امتداد/ عدد المقاعد: 1

المجموع/ عدد المقاعد: 21

كما هو موضح أعلاه، أظهرت نتائج الانتخابات فوزا ساحقا للتيار الصدري. حيث حصل التيار الصدري على 5 مقاعد من إجمالي 12 مقعدا مخصصة المحافظة النجف في مجلس النواب، بينما حصل المرشحون المستقلون على 4 مقاعد، وحصل ائتلاف دولة القانون على مقعدين إثنين. أما حركة امتداد الذي شكلها متظاهرو أكتوبر/ تشرين الأول فلم تحصل إلا على مقعد واحد.

كان من المتوقع أن يشكل التيار الصدري حكومة بعد نتائج الانتخابات البرلمانية. إلا أن خلافات التيار الصدري بعد فوزه بأكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب (37) مقعدا مع منافسيه داخل الإطار التنسيقي الشيعي، وحرمانه من تشكيل حكومة فيدرالية تتوافق مع مطالبه السياسية، ثم انسحابه لاحقا في يونيو/ حزيران 2022 من مجلس النواب والمشهد السياسي، أحدثت اضطرابا في الوسط السياسي في جميع أنحاء العراق، لاسيما في النجف.

توزيع المقاعد بعد استقالة نواب التيار الصدري:

المرشحون المستقلون/ عدد المقاعد: 4

حركة امتداد/ عدد المقاعد: 3

ائتلاف دولة القانون/ عدد المقاعد: 2

حركة الوفاء العراقية/ عدد المقاعد: 1

تحالف خدمات الوطني/ عدد المقاعد: 1

تحالف العقد الوطني/ عدد المقاعد: 1

المجموع/ عدد المقاعد: 21

أدى انسحاب التيار الصدري من المشهد السياسي إلى استبدال خمسة نواب يمثلون النجف بنواب بدلاء. وفي الوقت الذي أدى فيه ذلك إلى تحوّل في موازين القوى السياسية في بغداد لصالح منافسي التيار الصدري، انقلبت موازين القوى بشكل ملحوظ على المستوى المحلي لصالح المرشحين المستقلين، وممثلي مظاهرات أكتوبر/ تشرين الأول، وبعض الكتل التابعة للإطار التنسيقي الشيعي. يوضح الجدول أعلاه التوزيع الحالي للنواب في النجف بعد انسحاب التيار الصدري من المشهد السياسي. وبناء على ذلك، صعد المستقلون إلى المركز الأول بأربعة مقاعد، بينما جاءت حركة امتداد ثانيا بثلاثة مقاعد وحافظ ائتلاف دولة القانون على مركزه الثالث بمقعدين إثنين. وحصلت كل من حركة الوفاء العراقية بزعامة عدنان الزرفي، وتحالف خدمات الوطني بزعامة شبل الزيدي قائد كتائب الإمام علي في الحشد الشعبي والأمين العام للحركة الإسلامية في العراق، وائتلاف العقد الوطني بزعامة فالح فياض رئيس هيئة الحشد الشعبي على مقعد واحد لكل منهم.

تظهر هذه النتائج أن انسحاب التيار الصدري ساهم في حصول المرشحين المستقلين وكتل سياسية مثل حركة امتداد وحركة الوفاء العراقية والجماعات المتحالفة معها على أغلبية في مجلس النواب لينهوا هيمنة القوائم الإسلامية الشيعية التقليدية التي استمرت طويلا في النجف. ويشير هذا الوضع إلى التحول في التوجه العام لناخبي النجف والتحول في خياراتهم الانتخابية. وقد تشكل هذا التحول بتأثير مظاهرات أكتوبر/ تشرين الأول والصراع السياسي بين التيار الصدري والجماعات الأخرى.

شهدت العراق في 18 يناير/ كانون الثاني 2023 انتخابات مجالس المحافظات التابعة لمناطق غير اتحادية المحافظات غير الإقليمية). وكانت هذه الانتخابات قد تم تأجيلها في عام 2018، بسبب الاحتجاجات الجماهيرية ضد الحكومة والإدارات المحلية جرت هذه الانتخابات بعد عام وثلاثة أشهر من الانتخابات البرلمانية، وفي مناخ انسحاب التيار الصدري من المشهد السياسي، وشهدت تنافسا على 15 مقعدا في مجلس محافظة النجف. كشفت نتائج الانتخابات صورة مختلفة تماما عن نتائج الانتخابات البرلمانية، وكما هو موضح في أدناه، أظهرت النتائج أن الجماعات السياسية الإسلامية الشيعية على وجه الخصوص قد استعادت هيمنتها القوية في المجلس المحلي مرة أخرى. حصل ائتلاف دولة القانون وائتلاف نبني المقرب من الحشد الشعبي والذي يضم العديد من الجماعات الشيعية مثل عصائب أهل الحق ومنظمة بدر، على ثلاثة مقاعد لكل منهما. فيما حصل تحالف قوى الدولة الوطنية، بزعامة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي والزعيم الشيعي عمار الحكيم، وحركة الوفاء العراقية على مقعدين لكل منهما.

وحصل ائتلاف أبشر يا عراق بقيادة رئيس المجلس الأعلى الشيخ همام حمودي على مقعد واحد. كما حصلت كل من الكتل السياسية المدنية تحالف إدراك وتحالف واثقون وائتلاف قيم المدني وائتلاف المدار على مقعد واحد لكل منهم.

نتائج انتخابات مجالس المحافظات 2023 في النجف.

ائتلاف نبني/عدد المقاعد: 3

ائتلاف دولة القانون/عدد المقاعد: 3

حركة الوفاء العراقية/عدد المقاعد: 2

تحالف قوى الدولة الوطنية/عدد المقاعد: 2

ائتلاف أبشر يا عراق/عدد المقاعد: 1

تحالف إدراك/عدد المقاعد: 1

تحالف واثقون/عدد المقاعد: 1

ائتلاف قيم المدني/عدد المقاعد: 1

ائتلاف المدار/عدد المقاعد: 1

المجموع/عدد المقاعد: 51

تشير هذه النتائج إلى فوز الكتل السياسية الشيعية بأغلبية مقاعد مجلس النواب المحلي بحصولها على 9 مقاعد من أصل 15 مقعدا. كما أصبح ذلك مؤشرا سلبيا على أداء الكتل الليبرالية والمدنية والمستقلة في المحافظة، ويكشف هذا المشهد أن هذه الجهات الفاعلة فقدت تأثيرها على ناخبي النجف والزخم الذي اكتسبته في الانتخابات السابقة. كما تعكس هذه النتائج قدرة القوى التقليدية على إعادة تأكيد هيمنتها على الساحة السياسية من خلال حشد إمكاناتها والاستفادة من الفرص المتاحة. وإضافة إلى ذلك، ووفقا لبيانات صادرة عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق، لم تسجل أي انتهاكات رسمية بشأن مخالفات انتخابية في المحافظة.

جرت مفاوضات معقدة في أعقاب الانتخابات المحلية بين القوى السياسية الفائزة في النجف ومحافظات عراقية أخرى بشأن تشكيل الحكومات المحلية. وكما أشير سابقا، فإن العديد من هذه القوى تعد امتدادات محلية للكتل الرئيسية المتنافسة.

“لا تعكس الواقع”

على المستوى الاتحادي. وفي النتيجة، لا تستند هذه المفاوضات فيما بينهم إلى مساومات محلية تتعلق بكل محافظة على حدة، بل إلى اتفاق شامل على المستوى الاتحادي يقوم على أساس تقاسم المناصب والامتيازات بين جميع الكتل الفائزة. وفي غالب الأحيان، لا تنجح هذه الاتفاقات الشاملة في عكس نتائج الانتخابات في المحافظات على أرض الواقع، بشكل كامل. ويمكننا رؤية هذا الوضع في الحكومة المحلية التي تم تشكيلها في محافظة النجف عقب الانتخابات. حيث يتولى محافظ النجف الحالي يوسف كناوي السلطة التنفيذية، وهو عضو في تيار الحكمة الوطني بزعامة رجل الدين عمار الحكيم. وتم منح رئاسة مجلس المحافظة إلى عضو ائتلاف دولة القانون حسين عبود العيساوي.

على الرغم من مرور أكثر من عام على انتخابات مجلس المحافظة وتشكيل الحكومة المحلية، لا يزال أداء السلطتين التنفيذية والتشريعية في المحافظة يسير بشكل متقلب وغير ثابت. ويظل هذا الأداء عاجزا عن تلبية تطلعات ناخبي النجف فيما يتعلق بالتنمية وتقديم الخدمات وحل القضايا الرئيسية. كما لم يتحقق النجاحالمنتظر في مجالات تتعلق بقضايا الفقر والبطالة ومكافحة الفساد وتقليص الإجراءات البيروقراطية وغيرها من الملفات الرئيسية حتى أن بعض ناخبي النجف يعتبرون أداء الإدارة الحالية أضعف بكثير من أداء الحكومة المحلية السابقة بقيادة عضو التيار الصدري ماجد الوائلي الذي كان يشغل منصب المحافظ سابقا.

الجهات الفاعلة الرئيسية في النجف

لعبت محافظة النجف من الناحية السياسية لاسيما في فترة ما بعد عام 2003 دورا هاما في تشكيل الخارطة السياسية العراقية كونها مركزا للشريحة الشيعية في البلاد. ولهذا السبب، ضم المشهد السياسي في النجف معظم القوى التي تمثل مختلف شرائح الطيف السياسي الشيعي. وتشمل القوى المؤثرة في النجف مجموعات سياسية مؤثرة أيضا في العملية السياسية في عموم أنحاء العراق. وكانت النجف مركزا للهياكل السياسية الشيعية التقليدية، مثل التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر وائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، والمجلس الأعلى وأصبح زعيم المجلس الأعلى السابق عمار الحكيم، مؤثرا بداية باسم تيار المواطنين ثم باسم تيار الحكمة الوطني. أما المجلس الأعلى فواصل نشاطه بقيادة همام حمودي وإضافة إلى ذلك، هناك في النجف حزب الفضيلة الإسلامية التابع لمحمد اليعقوبي. كما يوجد في النجف أيضا فروع لبعض القوى الإسلامية الشيعية الأخرى. ومن بين هذه القوى تنظيمات مثل عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، ومنظمة بدر بقيادة هادي العامري، وكتائب حزب الله. جدير بالذكر أن هذه الهياكل السياسية شاركت في الانتخابات البرلمانية عام 2018 ضمن ائتلاف الفتح الذي يمثل مجموعات الحشد الشعبي. كما شاركت التنظيمات نفسها في الانتخابات المحلية عام 2023 ضمن ائتلاف نبني بقيادة هادي العامري وإضافة إلى ذلك، فإن ائتلاف النصر بقيادة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي ينشط أيضا على الساحة السياسية بالنجف.

وبالإضافة إلى الهياكل السياسية الشيعية، ظهرت في النجف أيضا كتل سياسية محلية ذات توجه ليبرالي لعبت دورا في تشكيل المشهد السياسي والديناميات الانتخابية وأهم هذه الكتل السياسية ائتلاف الوفاء بقيادة محافظ النجف السابق عدنان الزرفي. فقد حل هذا الائتلاف في المرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية لعام 2013، وتحوّل من حركة سياسية محلية إلى حركة الوفاء العراقية النشطة على الصعيد الوطني. ولكن دورها تضاءل بشكل ملحوظ في الانتخابات اللاحقة. وظهرت قوى مدنية أخرى في النجف عقب مظاهرات أكتوبر/ تشرين الأول 2019 ومن بين هذه القوى ائتلاف أبشر يا عراق، وحركة واثقون، وائتلاف قيم المدني، وحركة إدراك، وحركة إشراقة كانون، وتحالف الاتحاد وتحالف الضمير، والتحالف الرئاسي. وقد واجهت معظم هذه الجماعات صعوبات فيما يتعلق باكتساب زخم كاف للحفاظ على التنافس الانتخابي مع القوى الإسلامية التقليدية.

مواضيع الانتخابات في النجف

يتوقع الرأي العام العراقي أن تكون المشاركة الشعبية في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 في العراق أقل من الانتخابات السابقة.

ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى خيبة أمل ناخبي النجف من فاعلية العملية الانتخابية، وقرار التيار الصدري بعدم المشاركة في الانتخابات وإضافة لذلك، ستظل النجف مركزا لمنافسة شرسة بين الفاعلين السياسيين، نظرا للثقل الديني والسياسي للمحافظة. إن انسحاب التيار الصدري من المشهد السياسي في يونيو/ حزيران 2022، وعدم مشاركته في الانتخابات المحلية الأخيرة التي جرت في يناير/ كانون الثاني 2023[6]، وإصراره على عدم المشاركة في الانتخابات المقبلة، إلى جانب تضاؤل فرص القوى المدنية (الجديدة) في النجف والتشتت السياسي، كل ذلك يكشف عن مشهد يصب في صالح الجماعات السياسية الشيعية التقليدية والقوى شبه الليبرالية، ويبقى هذا الوضع قائما بغض النظر عن الاسم والهيكل التي ستتنافس تحته هذه القوى في العملية الانتخابية، ومن المتوقع أن يشتد التنافس بين بعض القوى في الانتخابات المقبلة. ستخوض ثلاثة ائتلافات رئيسية صراعا مباشرا من أجل الحصول على المركز الأول في المحافظة، وهي: ائتلاف دولة القانون، وائتلاف الإعمار والتنمية الذي أسسه رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني[7]، وتحالف البديل بزعامة الزرفي.”[8]

يأتي في المرتبة الثانية تيار الحكمة الوطني وائتلاف النصر.

وكما في الانتخابات السابقة، قد تكون هاتان القوتان من بين القوى التي ستفوز بأكبر عدد من المقاعد في النجف سواء خاضتا الانتخابات بشكل منفصل أو شكلتا تحالفا انتخابيا مشتركا. كما أن مجموعات الحشد الشعبي منظمة بدر وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وجماعات مماثلة أخرى ستكون جهات فاعلة رئيسية في السباق الانتخابي. وإضافة إلى ذلك، قد يكون الكيان السياسي الجديد تحالف الأساس الوطني بزعامة نائب رئيس مجلس النواب الحالي محسن المندلاوي، من بين المرشحين الذين لهم القدرة على التنافس مع هذه المجموعات.

وبشكل عام يمكن القول إن التنافس حول برامج انتخابية محددة ومفصلة لن يكون ذا أهمية كبيرة لهذه القوى السياسية في الانتخابات المقبلة. ومن المتوقع أن ترتكز البرامج الانتخابية بشكل كبير على مواضيع مشابهة للانتخابات السابقة، وأن تقتصر على شعارات مكررة مثل الحفاظ على سيادة الدولة واستقلالها، وتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، ومكافحة الفساد، وتعزيز مؤسسات الدولة، والتعيينات بناء على الكفاءة. من ناحية أخرى من غير المنتظر أن يبدي الناخبون في النجف اهتماما كبيرا بدراسة وتقييم محتوى هذه البرامج بشكل مفصل. ويقول الأكاديمي في النجف الدكتور أسعد كاظم شبيب: “إن المعيار الأساسي لاختيار الناخبين في بيئة ذات بنية اجتماعية تقليدية مثل النجف سيكون الانتماء العشائري وليس البرامج الانتخابية، وفي هذا السياق، سيكون لبعض عشائر النجف مثل (بني حسن وآل فتلة والغزالات وآل شبل والحواتم وآل عباس، والعيسى، وغيرها تأثير كبير على الانتخابات من شأنه أن يضع بصمته على النتائج في المحافظة.

ويشار هنا إلى أن العديد من منسوبي هذه العشائر شغلوا مناصب بارزة في الحكومات المحلية، ومعظمهم كانوا برلمانيين في مجلس النواب”.[9]

وبالإضافة إلى التحيز العشائري من المنتظر استغلال التحيز الطائفي في العملية الانتخابية، حتى أن من الممكن إشراك شخصيات دينية في الحملات الانتخابية بشكل مباشر أو غير مباشر من أجل دغدغة مشاعر الناخبين وتوجيههم نحو قوائم معينة، أو العمل على زيادة نسبة المشاركة في الانتخابات. كما أن من المتوقع أن يلعب الفساد دورا خفيا لكن مؤثرا في العملية الانتخابية، جدير بالذكر أن بعض القوى السياسية دأبت على هذا التكتيك، مستغلة احتياجات الناخبين الملحة الناجمة عن الفقر والبطالة ونقص الوعي السياسي. وإضافة إلى ذلك، من المتوقع حدوث أشكال مختلفة من استغلال المناصب في الحكومة ومؤسسات الدولة لتحقيق مكاسب خلال العملية الانتخابية. وقد تستخدم المؤسسات الأمنية والعسكرية وعلى رأسها الحشد الشعبي حوافز أو تهديدات للضغط على أفرادها لإجبارهم على التصويت القوائم معينة خلال فترة الانتخابات. وقد يتم استخدام ممارسات مختلفة من أجل شراء أصوات الناخبين، مثل توفير وظائف مؤقتة ودائمة في مؤسسات الدولة وتوزيع أراضي سكنية على المواطنين ومشاريع بنية تحتية، وإلى جانب ذلك، من الممكن أيضا أن يروج بعض الأفراد والجماعات للاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي الحالي في العراق على أنه من إنجازاتهم الخاصة ما يشجع الناخبين على التصويت لهم من أجل حماية هذه المكاسب.

أما المراجع الدينية والعلمية في النجف فمن المنتظر منهم تجنب دعم أي حزب انتخابي بشكل علني، ورغم ذلك، ليس هناك أي عائق من قيام بعض المراجع بتقديم دعم سري غير مباشر من خلال الخطب والمحاضرات في المساجد، وعبر جماعات الضغط التابعة لهم.

وإلى جانب العوامل الداخلية المؤثرة على العملية الانتخابية من المحتمل وجود عوامل خارجية وتدخل جهات خارجية. حيث أن معظم القوى السياسية المتنافسة لها توجهات إسلامية، وهي قريبة من إيران، ولا تولي أهمية كبيرة إلى الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية الأخرى في المقابل فإن القوى الليبرالية والمدنية هي فقط التي تدافع عن استقلالية القرارات الوطنية، وتطالب باتباع نهج متوازن في السياسة الخارجية. لذلك، من المتوقع أن يكون لطهران تأثير حاسم على العملية الانتخابية ومفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة.

وأخيرا، هناك نقطة حاسمة يجب التأكيد عليها، وهي أن التوازنات السياسية التي ستبرز خلال العملية الانتخابية في النجف ستبقى قائمة إذا استمرت الظروف السياسية الراهنة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي) على حالها ولم يشارك التيار الصدري في الانتخابات. ولكن، أي تطورات سياسية غير متوقعة أو قرار التيار الصدري بالعودة إلى العملية الانتخابية قد يغير المعادلات السياسية الحالية بشكل كبير.

النتيجة

للنجف ثقل كبير في العراق على المستويين الديني والسياسي، ولكن في نفس الوقت، تأثيرها الاجتماعي والاقتصادي أيضا له أهمية بالغة في البلاد. وخلال تجربتها السياسية في فترة ما بعد عام 2023، احتضنت النجف تقريبا جميع التيارات والقوى السياسية التي ظهرت في الوسط الشيعي العراقي. إن هذه القوى سواء التقليدية الإسلامية والليبرالية – المدنية أو التكتلات السياسية الجديدة والصاعدة التي نشأت نتيجة للتطورات السياسية في العراق، مثل مظاهرات أكتوبر تشرين الأول، قد وجدت مكانا لها في النجف.

تعتبر النجف أحد أهم مراكز القوة والنفوذ للتيار الصدري في العراق وانسحاب التيار الصدري من مجلس النواب الحالي وعدم مشاركته في الانتخابات المحلية لعام 2023 وقراره بعدم المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة ترك أثرا كبيرا على تشكيل الحكومات المحلية والتوازن السياسي الراهن. لذلك، لو أخذنا بعين الاعتبار معارضة التيار الصدري للقوى السياسية القائمة في العراق عموما وفي النجف خصوصا، فمن المنتظر أن تواجه أي حكومة محلية يتم تشكيلها في النجف انتقادات مستمرة من قيادة التيار وأنصاره، وقد تشهد محاولات لإثارة الاضطرابات وزعزعة الاستقرار من خلال استغلال قضايا مختلفة.

من ناحية أخرى، لا يمكن تناول المشهد السياسي في النجف بمعزل عن المشهد في المحافظات الأخرى ذات الأغلبية الشيعية حيث أن هناك تداخلا كبيرا بين القيادات والمصالح والصراعات والمطالب والتوقعات. وإلى جانب ذلك، فإن كون النجف مركزا لأعلى سلطة دينية لدى الشيعة فهذا يمنحها مكانة خاصة، ويجب إبعادها قدر الإمكان عن الفوضى وزعزعة الاستقرار. ولكن هذا الأمر لا يعني أن الاضطرابات السياسية في المحافظات الأخرى لن يكون لها أي تأثير على النجف. بل على العكس، غالبا ما تتوجه الأنظار إلى النجف لحل النزاعات أو تخفيفها، ويتم فيها اتخاذ مبادرات من أجل التوصل إلى توافق بين الأطراف وإيجاد حلول مناسبة.

وفي النتيجة ستظل محافظة النجف إحدى المراكز المهمة للصراع السياسي في الانتخابات المقبلة. ولكن وفق الظروف والتقييمات الحالية، لا يمكننا القول إن هناك توقعات بإحداث نتائج هذه الانتخابات تغييرا جذريا في المعادلة السياسية الحالية في العراق وستحافظ القوى الإسلامية وغير الإسلامية التقليدية على مواقعها المهيمنة في المشهد السياسي. وقد لا تؤدي هذه الانتخابات إلى تغييرات هيكلية أو جذرية في الجوانب المجتمعية والاقتصادية والسياسية في النجف. وفي الوقت الذي ستشارك فيه القوى الممثلة للمحافظة في مفاوضات تشكيل الحكومة بعد الانتخابات، فإن هذه المشاركة لن تتشكل وفق مصالح الناخبين في المحافظة بل وفق مصالح الكتل على مستوى العراق. ويمكن القول إن الواقع السياسي العراقي الحالي لا يسمح للمحافظات التي لا تسيطر فيها القوائم المحلية بلعب دور حاسم في عملية تشكيل الحكومة.

[1] عبد الزهراء المفرجي، التيارات السياسية في مدينة النجف الأشرف ومواقفها من التطورات السياسية في العراق (1954-1953)، النجف الأشرف دار الميزان الطباعة 2014، ص 25-28

[2] الأسدي، علي ل. س. م… المناطق الحضرية والريفية في محافظة النجف الأشرف”، تحرير: هادي ل الزبيدي ومحمد أ.ح الفياض. النجف الأشرف 2050 وفق رؤية مستقبلية النجف الأشرف منشورات مركز الرافدين للحوار، 2023، ص 41-51

[3] مشروع التعداد العام للسكان والمساكن في العراق 2024 2025 النتائج النهائية والمؤشرات الرئيسية وجداول البيانات الجماعية، وزارة التخطيط العراقية، فبراير/ شباط 2025

[4] العراق تطلق الاستطلاع الاجتماعي والاقتصادي الموجه للأسرة، وزارة التخطيط العراقية، 27 فبراير/ شباط 2025

[5] المصدر نفسه، ص 82-103

[6] مقابلة أجراها الكاتب مع أستاذ الفكر السياسي بجامعة النجف الدكتور أسعد كاظم شبيب بتاريخ 26 مايو/ أيار 2025، أفاد فيها الدكتور شبيب أن قرار التيار الصدري بعدم المشاركة في الانتخابات قرار نهائي ولا رجعة فيه. وأشار إلى أن التدخل المباشر لآية الله السيستاني أو حدوث تطورات غير متوقعة في المشهد السياسي العراقي يمكنهما فتح الطريق أمام إعادة التيار الصدري النظر في هذا القرار.

[7] ائتلاف الإعمار والتنمية هو تحالف يتزعمه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، وتم الإعلان عن التأسيس الرسمي لهذا الائتلاف في بغداد يوم الثلاثاء 20 مايو/ أيار 2025، ويضم الائتلاف إلى جانب تيار القرآنين الذي يعتبر الحركة السياسية للسوداني، ائتلاف العقد الوطني بزعامة رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، وائتلاف الوطنية بزعامة رئيس الوزراء السابق إياد علاوي، وائتلاف إبداع كربلاء بزعامة محافظ كربلاء نصيف الخطابي، وحركة بلاد سومر ائتلاف سند الوطني سابقا) بزعامة وزير العمل والشؤون الاجتماعية أحمد الأسدي وحركة الأجيال بزعامة قريب رئيس الوزراء السوداني عضو مجلس النواب محمد الصهيود، وائتلاف الحلول الوطنية الذي يضم بعض السياسيين وبعض الأحزاب الصغيرة (انظر: “السوداني: تأسيس ائتلاف الإعمار والتنمية من أجل الانتخابات البرلمانية المقبلة في العراق”. الشرق الأوسط ، 20 مايو/ أيار 2025).

[8] تم تأسيس تحالف البديل من قبل عدنان الزرفي في 27 مايو/ أيار 2025 من أجل المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة. يضم الائتلاف ثلاثة عشر كيانا سياسيا مختلفا معظمها ذات توجهات ليبرالية ومدنية تقليدية. هذه الكيانات هي حركة الوفاء العراقي، والائتلاف الاقتصادي العراقي، وحركة الاقتصاديين، والحزب الشيوعي العراقي، وحركة المثقفين العراقيين، وحزب البيت الوطني، وحزب الاتحاد الجمهوري العراقي، وحزب الطليعة العراقي، وحركة كفى، وحزب الاستقلال الوطني، والحركة المدنية الوطنية، وائتلاف المستقلين. والتيار الديمقراطي، وتيار بناة العراق.

[9] مقابلة شخصية أجراها الكاتب مع الأكاديمي من النجف الدكتور أسعد كاظم شبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *