الثقافة رسالة حياة ، وهي كائن حي ينبض بالإنسانية ابداعاً أدبياً وفنياً وبحثاً وكتابة . هي تاريخ الشعوب ، وهي هوية واقع حال المجتمعات ، وهذا الكائن الحي يمتلك التعبير عن المواقف والعواطف بعيداً عن أي اعتبارات شخصية ومصالح واجندات ، فالثقافة نبض قلب المجتمع ولا يحتاج القلب الى تبرير لنبضه كما في قول الشاعر مصطفى جمال الدين :
ان أقسى ما يحملُ القلبُ ان يُطلب منه لنبضه تفسير
فليست الثقافة الانسانية حول العالم بحاجة الى مبررات وتفسيرات حين يخفق قلب الكاتب فينبض قلمه ألماً لما يشهده العالم اليوم من تجاوزات واضحة وجريئة على انسانية الانسان ، فما تنقله مشاهد الجوع والخوف والقلق والهلع والدمار في ( غزة ) في فلسطين يضع الثقافة العربية الانسانية بشكل خاص ، والثقافة الانسانية العالمية بشكل عام امام اختبار صعب وتجربة عسيرة من شأنها ان تحدد مستقبل وهوية الثقافة في عصر التقنيات الحربية المتطورة ، وعصر التقنيات الحديثة ورؤوس الاموال الطائلة التي تدير مشاريع الانتاج الصناعي بمكائن يعلو صوتها على اصوات الصغار وهم يبكون جوعاً بسبب حصار اسرائيل للمدنيين في غزة. ويتجاهل النظام العالمي المتحكم بصناعة القرار ، حجم التجاوزات والخروقات الواضحة للكيان الغاصب بذريعة مقاتلة مسلحين هنا وهناك .
مستقبل عصر التقنية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي
اننا معنيون اليوم اكثر من اي وقت مضى بإنسانية الإنسان التي يهددها مستقبل عصر التقنية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وانانية القوى الكبرى في العالم ، ولعل ما يحصل اليوم في فلسطين يمهد لذلك المستقبل الخطير الذي ينتظر انسانية الانسان على هذه الارض . لكن لنتذكر ان التاريخ يخبرنا ان التغيير الكبير يحدث غالباً في الوقت الذي يرى فيه الانسان انه مجبر على التكيف مع واقع جديد لا يريده ، وهذا ما ينتظر حدوثه على يد
المجتمعات الانسانية في كل انحاء العالم ، ففلسطين اليوم تمثل بوصلة الثقافة الانسانية التي حركت مواطنين في امريكا واوروبا واماكن مختلفة حول العالم للتظاهر ضد حرب الإبادة وسياسة لي الذراع وتجويع الصغار ، والتضامن مع المواطنين المحاصرين وبذل الجهود لفك الحصار عنهم ، والضغط على الحكومات من اجل التحرك السريع لاغاثة الجياع والمرضى والمصابين ، والتوصل الى حل جذري عاجل لهذه الكارثة الانسانية التي يعاب على عصر التطور والمدنية والديمقراطية ان تقع فيه هكذا مآسي كبيرة .
غزة بوصلة الثقافة الانسانية
لقد كشفت احداث غزة الأخيرة عن وهم كبير حملته الآلات المتطورة الى الناس عبر مشاريع الاقتصاد السياسي العالمي الذاهب باتجاه عالم الأشياء حيث الانسان سلعة ترتبط بأخرى ببرامج عالية الدقة وفائقة السرعة ، وما عدم اكتراث القوى الكبرى بما يحدث في فلسطين الا مؤشر خطير على هذا التوجه الحقير . ولأننا نؤمن بأن الله معنا يسمع ويرى ، وانه سبحانه موجود في كل التفاصيل وان وعده الحق ، فإننا مطالبون بالعمل عبر كل مواقع النشر والاخبار ووسائل التواصل بالحث على إحداث قوة ضغط تحمل الرأي العام العالمي على اتخاذ موقف حازم وحاسم ينهي معاناة المدنيين في فلسطين ويقدم لهم حلاً حقيقياً يحفظ انسانيتهم وحقوقهم في ارضهم . ليس بعيداً عن تفكيرنا تلك المخططات العالمية التي يريدها النظام العالمي لمنطقة الشرق الاوسط ، فإذا لم يكن بوسعنا منع امريكا واسرائيل من المضي في مخططاتهم اللاإنسانية في فلسطين والمنطقة العربية ، فإنه ليس بوسع امريكا واسرائيل ان تمنعنا من المقاومة .


