مواكب الأربعين إحياء لروحانية الإنسان

مواكب الأربعين إحياء لروحانية الإنسان
زيارة الأربعين تحوّل تاريخي وروحي يجمع ملايين البشر في مشهد إنساني فريد، حيث تتجسد قيم الخدمة والإيثار، وتُستعاد إنسانية مهددة بالفردانية الحديثة، ليصبح الحدث فضاءً للرحمة والوحدة وتجديد معنى الوجود...

تحولات تاريخية في مشاهد الزيارة الأربعينية

تُعيدُني مشاهد الزيارة الأربعينية وهي تتدفقُ في الزمنِ إلى نصٍّ استفهاميٍّ قديمٍ من مجموعتي “مُتَّسَعٌ لهامشِ الماء”، قُلتُ فيه : “كيف للوقتِ أن يسيلَ مع الماءِ، ويبدو بين الهوامشِ ناراً، والخيامُ التي أُريقتْ على النارِ تشظّت فوق الخرائطِ أطفالاً من المحو، من بكاء الهزيعاتِ، وكيفَ الحقولُ عند انطفاءاتِ الحكاياتِ، عُشبُها نامَ في النَحْرِ، ركضنا نقطفُ الصبحَ من مواكبَ للضوءِ، تعلَّقْنا في الأناشيدِ نذراً، وسألنا: كيفَ النخيلُ تحفّى راكضاً في الفراتِ ترنيمةَ الـ (هيهاتَ مِنّا)، وَبَلَّلَ الحُلْمُ بُعداً، في تلاشي المياهِ صارَ وجودا؟”

سبب عودتي لهذا النص هو الزمن المتوهج في مواكب الخدمة التي تتوسّل الماشين إلى كربلاء للإقامة فيها والحصول على أي نوع من أنواع الخدمات التي يبتهجُ من يُقدِّمُها وكأنَّهُ حصل على العشبةِ التي بكى جلجامشُ كثيراً للحصولِ عليها. زمنٌ تسيلُ فيه الساعات وفق ثنائية الماء البخيل سنة 61 للهجرة، حيث أطفالُ ونساء النبوة عطاشى وخائفون، والماء الكريم حد الأسطورة بعد 1387 سنة من حدوث الواقعة الكربلائية، حيث الأطفال يوزعون الماء على الكبار، بعد أن تلاشى الخوف، وامّحى صانعو العتمة السلطوية. لقد تحوّلت الخيام المراقة على النيران، إلى مواكب تحتفي بالرمز الذي ارتعبت نساؤه في الخيام، وهرب أطفالُه من بين حوافر الخيول. هذه المشاهد من الزيارة الأربعينية تؤكد هذه التحولات الهائلة، فالمحو وجود، والهوامش متون، والخوف نشيد.

إنه الزمن الذي يحرض الذات على مزيد من الكشوفات المختفية في زحام المفاهيم المضطربة والقلقة، والتي جعلت من الإنسانِ جماداً ميّتاً، يتشاركُ مع أقرانه على كل الخرائط تقريباً في هذا الانجماد العابث بقيمته وكينونته، وغيّر عبر “الترند” الخريطة الأخلاقية، ناثراً عليها كل أشكال الفيروسات التي تحولت إلى شعوب وهويات تتوحد في القبح وازدراء الخصوصيات الاجتماعية والعقائدية وترسيخ نظام التفاهة.

يأتي زمن الأربعين؛ لِيُعْلن بلغةِ مواكبه عن إمكانية منح الإنسانية محيطاً يليقُ بها، إذ يتحول الناسُ خلال أسبوعين أو أكثر بقليل إلى عائلة مترابطة خالية من الشوائب والوساوس التي أماتت الإنسان المعاصر بهيمنتها المنفجرة وهي تغشُّ العالم ظاهريّاً بالتقدم العلمي والتكنولوجيا وناطحات سحاب، وأقمار صناعية، وذكاء اصطناعي، بينما قتلت الفطرة السليمة، مما جعل ميشيل فوكو يعلن “موت الإنسان المعاصر” بهيمنة العقل وغياب الأخلاق وتسلط الفردانية.

هدهد كربلاء يروي الأسرار

أيّام الأربعين هدهد كربلائيٌّ، فمهما تبدّلت الأزمنة، وتطوّرت الامكنة، لا يكفُّ هدهدُها عن سرد تلك المشاهد الساحرة في كربلاء، أو في الطريق إليها، وكأنَّ “سُليمانَ” ظِلٌّ يتسرَّبُ في الأزقةِ والبساتين، يتفقد طيرَه الماكثَ “غيرَ بعيد”، والذي يأتيه في كل مرة بسبق صحفي عن زيارة الأربعين وملايينها ومواكبها، فيغضُّ “سليمانُ” النظر عن فكرة معاقبتِهِ لغيابه، فالهدهد الأربعينيُّ يعرفُ كيفَ يُبقيهِ مشدوداً لمروياته عن سبأ الكربلائية.

في مواكب الخدمة الحسينية، ثمة نسقٌ مضمرٌ يسطعُ في وجوه من يقدمون الخدمات للزائرين. نسقٌ يُشكِّلُ تناصّاً عجيباً مع عبارة هائلة وردت في الدعاء المعروف بدعاء القاموس (السيفي الصغير) : “وَقَوِّني بِقُوَّةِ سطوةِ سُلطانِ فردانيَّتِك؛ حتى أخرجَ إلى فضاءِ سَعةِ رحمتِك، وفي وجهي لمعاتُ برقِ القُربِ من آثارِ حمايتِك”

فبعد أن تسلطت صور الفردانية العقلية بغرور ابتكاراتها، وصارت تقلب الأشياء إلى أضدادها، وانحدرت بالإنسان إلى مراتب أدنى، يسطع ضوء في النفق الكربلائيّ الأربعينيّ؛ ليبعث الأمل من جديد في النفس البشرية المنشطرة في متاهات العقل. فبعد أن مات الإنسان المعاصر عند (فوكو)، يُبعثُ إنسانُ المواكبِ الحسينية بصفته عنقاء أبعد من الأسطورة. هو ضوء يقول به الإنسان لأخيه : أهلاً بك يا أخي بعيداً عن دعاوى الفصل البائس بين العقل والحس، أهلاً بك في رحاب الحرية الصافية من مجازات الإيديولوجيا واستعارات النظريات. ضوءٌ روحانيٌّ يستمدُّ قوته العظمى من فردانية الرب، يأخذ الإنسانَ من عتمات الأنانية الضيقة، إلى فضاءات السعة الرحمانية، بحيث نرى ذلك الإنسان الخادم محتفلاً بلحظةِ الخصبِ المطبوخةِ في القدور التي تُنضِجُ زمنَها، ومحتفلاً بالحمامِ الذي منح الجميع هويةً للائتلافِ. يبحثُ عن مكانٍ في ياءِ نداءِ (يا حُسين)، وهي الوحيدة التي تعرفُ سِرَّ التعلّقِ باخضرارِ هذا الزمنِ. نراهُ مهيباً مجللاً تلمعُ في وجهه ملامحُ القرب من حماية الله في هذا المحفل الماورائيِّ الحضوريِّ الذي يجعلُ أصدقاءَ المراثي أصدقاءَ السعادةِ والبهجةِ في وقت واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *