اللغة العربية: وسؤال المستقبل

اللغة العربية: وسؤال المستقبل
المستقبل المحايث للغة العربية نسقيٌّ يروم الاشتغال على اللغة بصفتها حضارةً تبني ديوانها الثقافي وفق وتيرتها المعرفية الخاصة، ولهذا النسق الحضاري تعالقٌ بما هو ذاتي...

تمهيد

من يستبق؛ يستشرف.

في البدء كان السؤال مشروعاً ومُشرعا على الاحتمال، أي أن السؤال أصل البقاء؛ من يتوارى عن الأسئلة يظل في رُعب الوجود، لا يتقدم، بل يتأخر.

ومن يتجشّم طرح السؤال، ينفض عنه غبار الخوف، ويرفع عنه أتربة حفّت مصيره؛ وأفضت به إلى السّديم.

الأسئلة الخلاقة هي من تعيد رسم الحياة بطريقة عقلانية ومتوازنة، لن يتأتى لنا ذلك إلا بالبحث عن المستقبل؛ المستقبل الذي يسكن حياتنا؛ ولغتنا؛ ويرعى مصيرنا حين ننتبه إلى حالنا ومآلنا.

الحال أن سؤال المستقبل في علاقته مع اللغة العربية يتغيا فحص حال هذه اللغة اليوم؛ والحساسية المفرطة التي تحوم حولها؛ والقضايا الكبرى التي تنجم عنها أو المصاحبة لها؛ ومشكلاتها الحقيقية علمياً؛ ومنهجياً؛ وتربوياً.

ومن ثمة يأتي السؤال عن المستقبل رهين الانوجاد؛ ورهان النفوذ الوجود. أي؛ كيف تخلّقت العربية تاريخياً؟ وما طبيعة السلطان التي خولت لها البقاء حد التفرد؟ وكيف تضمن وجودها سالمة بين نظيراتها من لغات الكون دون أن تتشيأ أو تتشظّى؟

ولئن كان المستقبل تفكيراً وتدبيراً؛ وجب أن يكون بلغة قادرة على تكلّم المستقبل نفسه؛ وأن تكون لسانه وبيانه عند الضرورة.

إن قوة التدافع بين اللغات اليوم تطرح ضرورة التفكير في تطوير الصيّغ، وتجديد المعارف، وتدقيق منهج التفكير نفسه.

إن سؤال المستقبل المحايث للغة العربية نسقيٌّ يروم الاشتغال على اللغة بصفتها حضارةً تبني ديوانها الثقافي وفق وتيرتها المعرفية الخاصة، ولهذا النسق الحضاري تعالقٌ بما هو ذاتي وموضوعي من حيث البناء والتأسيس.

ولأن النسق نفسه رمزيٌّ لا يمكننا أن نُغفل تجلياته الدلالية حين يخالط الوجداني الذاتي بالعقلاني الموضوعي يرسم هيأة قائمة على الاستقلال والتفرّد.

هذا ما يضمن للنّسق نفسه التفوق والتمدّد عبر مساحاتٍ واسعةٍ من حقب التاريخ بدون أن يَبْلى أو يفقد جاذبيته في التداول والتواصل في عولمة اليوم.

واقع العربية اليوم بين زحمة اللغات الأجنبية وسلطان العاميات يفتح أكثر من سؤال عن ضرورة تحقيق “اللسان المبين” لأنه ملاذنا الحضاريّ؛ ورصيدنا الوجوديّ، الذي يَدْرَأُ عن اللغة العربية الحصار والانحسار، ويرفع عنها الاضطراب اللغوي. كثيرة هي الأسئلة الحارقة التي ينبغي إثارتها من قبيل:

  • هل هي أزمة إنسان أم أزمة لسان؟
  • لم التراجعُ والنكوصُ في سرق التدافع الحضاري؟
  • هل نحن حقاً نعيش “غربة لغوية” أفقدتنا الحق في البقاء، والتداول بين الناس؟
  • أيُّ حضور للفرنكفوني واللهجي في تكريس “العقوق اللغوي” لاستباحة الاستعمار الوجداني اللغويّ؟
  • لغة اليومي وتشكيلاتها المتنوعة والمتعددة بين لغة المستعمر الأروبي واللهجات المحلية وتقاطعاتها مع “لغة التعليم” في المدرسة المغربية اليوم؟
  • أيُّ تخطيط لغويّ مستقبليّ ننشده الآن وغداً؟

إن توخي محاورةٍ علميةٍ هو رهانُ هذه الورقة، من شأنه أن نقارب الأسئلة أعلاه ومثيلاتها؛ بما سنتناوله بالتفصيل والتحقيق وفق الخطوات الآتية:

1- اللغة العربية: صراع البقاء وتحديات المستقبل

جاءت العربية إلينا من غور بعيد محمولةً في كتاب مجيد، إن لغة القرآن هي أفصح أساليب العربية على الإطلاق؛ كما يذهب إلى ذلك الفراء([1]). والأصل في اللغة أن تحقق شرط البقاء والديمومة ضداً على التحلّل والاِنْمِحَاء. فباللغة تمكّن الإنسان في الوقوف وسط الوجود، وباللغة أشار إليه على أنه موجود، معنى ذلك أن اللغة هي شرط الوجود([2]).

فاللغة العربية بدءُ المقام وبدءُ الوجود بالنسبة للعربيّ الذي يرى وجودَه من خلال لسانه الذي يكلّم به ذاته وغيره، فالعالم يبدأ من كلماته، وتتشكل رؤيته للكون من خلال لغته.

اللغة اشتغال معرفي ووجدانيّ تبنى فيه المفهومات، وتُؤسّس فيه المنظومات التي تفسّر قوالب الكلام والتعبير. ومن ثمة تحاصر اللّحن وضروبَه من التحلل من الإعراب إلى ضرورة الخضوع والانصياع إلى قواعد اللغة العربية كما بناها صاحب الكتاب([3]) حفاظاً على سلامة كلام “العرب الموثوق بعربيتهم” كونه “الأول والأقدم”([4]).

هذا التقعيد المؤسس للكتابة والتعلم مكّن المقبلين؛ على تداول اللغة العربية وتعاطيها من غير أهلها؛ على ديمومة اللغة السليمة وفق اللسان العربي المبين.

ولئن كانت اللغة العربية محلَّ تداول في بيئات كثيرة من بقاع غير عربية بعيدة عن منابعها الأولى وعن قبائلها الأصلية؛ فقد برهن جبروت التراث العربيّ القالد الخالد على أنه أقوى من كل محاولةٍ يقصد بها زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر([5]).

على هذا الأساس تكون العربية قد تجذّرت في الوجدان الذي استوت ناجزة فيه، مكتملة به اكتمالاً تاماً لا يشوبه نقصان أو يعتوره جحدان.

فاللغات، أصلاً ومنها اللغة العربية، توفر من مقومات الانسجام واستراتيجيات الخطاب ما يؤهل كل متكلّم للتواصل والتفكير بمنطق اللغة نفسها. أي؛ أن اللغة حُجة خالصة تتيح للمتكلمين بها قوة الاحتجاج وصناعة الدليل والإقناع، لأن الألفاظ والأقوال والعبارات التي نستعملها وننتجها في حياتنا اليومية لها طابع حجاجي واضح؛ ولها قوة حجاجية بارزة تسعى من خلالها إلى التأثير في المتلقي، ودفعه إلى تبني رأي ما؛
أو الاستجابة لطلب معين؛ أو اتخاذ موقف ما من قضية من القضايا؛ أو إلى تغيير آرائه ومواقفه بشكل عام([6]).

لن يفي هذا المقام خوض الحجاج في اللغة وضرورته في تبيان مقامات الكلام، وحجيّة المتكلّمين؛ بل رأينا أن نلمح إلى خاصية بناء اللغة وأشكال هيكلتها الذاتية.

ولأن “اللغة نسق رمزيٌّ وديوان ثقافي”([7])؛ أي، أن اللغة برمزيتها المخصوصة نسقياً تتمايز، وتختلف عن أشكال التمييز الأخرى، فهي تحقق التواصل والتداول بين البشر. ولا يستقيم، دلالة وبناء، ما لم تكن ناقلة لما يميزها ثقافياً عن غيرها. لأن السمة الثقافية لصيقة بها وقائمة عليها.

بهذا تكون اللغة، أيا كانت، وطناً لناطقيها يمشون بها وتمشي بهم إليه؛ وعلى حدوده ترتسم معالمهم وهويتهم الأصلية. فكل إنسانٍ أسير لنسق من قواعد التمييز عن المعاني والصياغة القولية للمقاصد الكلامية. وللغة أسرٌ مضاعف أو مزدوج لتطويق المتكلّم بها؛ تظهر صورة الأسر المضاعف في قيدين اثنين: أحدهما نسقي يتعلق بقواعد التفكير والتمييز، والآخر ثقافي يخصّ قيم التمدين والتطوير([8]).

وليس بخافٍ على أحدٍ التواتر الدلاليّ والتناسب المقامي للعربية حين تتبع خطّ مصيرها من خلال بيئاتها وأحوال متكلميها؛ فيكتمل البناء والتوافق في المسعى، تقوى أواصر القوى مبنىً ومعنى. ويستشفُّ هذا المسعى من خلال:

1.1- صِراعُ البقاء

يستند الصراع من أجل البقاء إلى منطق القوة والهيمنة والاستحواذ؛ وهو منطق يكرّس الاستقواء والاستعلاء والغطرسة مخالفاً بذلك مبادئ التعايش السلمي؛ وسنن الاختلاف بين الشعوب والأمم في تناقض سافرٍ لمدونات الفلسفة الإنسانية، وأخلاقيات الفضيلة البشرية.

بهذا المعنى، فكل صراع يكشف عن مثالب تغالب نزوعه إلى السيطرة والشمولية حيث تتكشف أعطاب ثلاثة:

أ- الهشاشة التي تستتر وراء منطق القوة، فتتبدّى عورات الضعف والاستكانة ماثلةً في ثنايا الخطاب الذي يؤطر نزعة التملك المحايثة لمنطق الصراع نفسه.

ب- المفارقة؛ وهي سمة تعلن عن المخالفات والتباين الذي يحكم الخفيّ المستتر بين الادعاء والحقيقة.

المفارقة علاقة دالة على التوتر الحاصل في منطق الصراع؛ إذ تتجسد في جدلية المغالبة والمهادنة. فالمغالبة نفي للخالف وعزل له؛ والمهادنة لحظة التقاط أسباب الاستقواء للتخلّص من النظير الذي لا يشبهنا.

ج- مكر التاريخ؛ جَعْلُ الحقيقة مخالفةً للتاريخ نفسه. أي؛ تحويل شواهد التاريخ ومجرياته إلى تواطئات ضدّ التاريخ نفسه، والعقل. فالمسألة تتعلق بعتمات الفكر، وتهويمات العقل ودهاليز الوعي وأفخاخ الرغبة؛ كما تتعلق بمخاتلة اللغة ونرجسيّة الثقافة واصطفاء العقيدة وعنصرية الهوية([9]).

هذا الثالوث الذي يهيمن على منطق الصراع يشير مرة أخرى أن قوة اللغة من قوة الدولة، وفعاليتها في مشروع البناء والتنمية الشاملة. فالغلبة لا تتحقق بالعجز والضمور؛ بل هي رهينة “إرادة الدولة مع إرادة المجتمع”([10]). وتحقيقاً للخروج من نفوذ الآخر الذي يستفحل عميقاً في البنية الوجدانية والمعرفية للغتنا العربية، تعبيراً وتفكيراً، ينبغي “صياغة مفهوم القوة بنسق حضاري”([11]). أي؛ أن القوة المطلوبة ليست مادية بل هي “خُلُوص الثقافة من النّغل، واللسان من اللّغط”([12]).

لا شك أن الهوية قرينة الإبداع الفردي للإنسان، النابع من حقيقته وحياته وأشكال عيشه. فالمفهوم المنشود للقوة يدلل على الثقافة ونوعيتها، وعلى الوعي الحضاريّ وتجلياته في الروح الإنساني. “فالإنسان؛ خلافاً للكائنات كلّها، يبدع هويته فيما يبدع حياته وفكره”([13]).

ويظهر أن صراع البقاء يؤشر، دوماً، على أن ما يخفيه يجد في اللغة تصريفه الحضاريّ الحقيقيّ الذي يضمره لغوياً، ويجلّيه ثقافياً ومعرفياً. والحق أن العربية تعيش حالاً من الضيق والأسْرِ والمحاصرة تفرض على أهلها هبّةً “لتدارك لغتهم [التي] سوف تضيع منهم حتماً في مستقبل غير بعيد”([14]).

إذ من أوجب الواجبات التأكيد على الانكباب على العربية تداولاً واستعمالاً وتفكيراً وتعبيراً. فاللغات تحيا بالتداول بين الناس، وتفنى بالنسيان؛ “فلا شيء يفني اللغات أكثر من الإهمال، ولا شيء يُحييها أكثر من الاستعمال”([15]).

ولن يتأتى ذلك إلا ب”الأمن اللساني”([16]) الذي يُمانع الذوبان والتلاشي، ويحقق الديمومة والاستقرار، بل يكون الوِجَاء والرقيب الذي يضمن سلامة “لسان حضارة القرآن”.

ومن الحقائق التي تقف عليها اللغة، دوماً، “أن الذي ينشئ هو الذي يُسمّي ويمنح الإسم، ويَسِمُ المسمى بميسمِهِ”([17]). أي، أن الذي يبدع مصنوعاته، ويبتكر أسْمَاءَها، هو وحده من يحدد لها مرجعياتها، ومنابعها ما دام هو الذي يخلقها خلقاً. إذ اللغة لم تعد اليوم، في عالم يصطرع ويُفاتكُ من أجل البقاء، “لم تعد تفاعلاً بل غزواً”([18]).

أن تمتلك الكون في رحابته، أن تقبض على ناصية اللغة بكل مقدارتها الوجدانية والنفسية، وتقتادها إلى حيث مُدركاتك، أو تقودك هي إليها حيث المطمور والخفيّ الذي يسري في التعبير، وطرائق التفكير سهواً ويقيناً. ف”اللغة ليست مجرد متنٍ جامدٍ؛ وإنما هي عالمٌ حيٌّ يحكي تجربة قومٍ بثوا فيها خلاصة عواطفهم، وسجلوا فيها مختلف رؤاهم الفكرية في الكون، وفي الناس، وفي الحياة”([19]).

ومن ثمة تبقي اللغات صراعاتها مفتوحةً على المستقبل لأن تضمن بقاءَها وديمومتها متجاورة من سنة الاحتكاك والتفاعل إلى الحيازة والسيطرة في عالمٍ يمور بالتناقض والاحتفال بالتباعد والاستقواء على الفراغ.

يبدو أن اللغة العربية في وضعية حرجة لا يسمح بالاستكانة؛ ولا تبرر الاستتباع للغير. فقد كانت من ضغط الاستعمار؛ وزحمة العاميات المحلية؛ وهي الآن، مدعوة إلى التجديد والنهضة، والاستواء على قيامةٍ لا تضاهيها أي قيامةٍ أخرى.

2.1- تحدّيات المستقبل

1.2.1- سؤال العولمة والمُمَانَعة

تجد اللغة العربية نفسها وجهاً لوجه أمام العولمة التي باتت تشكّل رؤية العالم، وتعمل على رؤية أحادية له. وهذا الوضع المتفوق الذي تمتلكه العولمة؛ وتفتقده اللغة العربية حقيقة ظاهرة تزيد الوضع تعقيداً وصعوبة. فنحن “محكومون بالخوف والحذر منها؛ لا نعرف موقعنا فيها، ولا مستقبلنا منها”([20]).

لا تخفي العولمة إرادتها المهيمنة على العالم، بل تمعن في القَسْرِ والإكراه على قالب وحيد لاَ يخلو من صيغة الإجبار والإرغام. ومع ذلك ما زلنا نلحظ تراجع سبل المقاومة والممانعة التي تؤصّل للبقاء، وتتجاوز حدوث الاصطدام إلى البناء والتشييد.

ومن ثم لزم أن نرى أن المستقبل سيظل مفتوحاً على المغايرة والمخالفة، وأنه “بحاجة إلى اكتشاف جديد في زمن زحف العولمة”([21]). أي، أن مصير اللغة العربية قائم على التوسع والتثاقف، ولن يكون معزولاً أو مقبوراً في ماضٍ انتهى، أو حاضرٍ يتردّى؛ بل هو استباق نحو مآلات تراهن على الآتي في تعامدٍ مع “التجديد الداخلي… بما يكسبها المزيد من الحماية والمناعة والتحصين”([22]).

إن مواجهة محتومة بين العولمة والعربية باتت قائمة ومستشعرة تفرض على أهلها التفكير مليّاً في الأسئلة الثلاثة الآتية([23]):

1- ما مآل اللغة العربية في ظل وضعيتها الحالية؟

2- ماذا يَجْني العرب من اللغات الأجنبية؟ ويخسرون بتعميم تعليمها؟

3- ماذا يفقد العرب من ضياع اللغة العربية؟

لا يبدو أن مآل اللغة العربية حالياً مأساوياً كلياً؛ ولا وَرْدياً خالصاً، غير أن تقهقراً واضحاً لا تسلم منه العربية رغم تمسكها بأصولها كاملةً ودقيقة خالية من التحريف
أو التلويث. هذا التقهقر مؤداه الاختلاج اللساني([24]) وغيره من تداخل اللهجات وأنساقها في التعبير اللساني الفصيح. بل إن التراجع حاصل، بالضرورة بالضّيْم الذي تدخله اللغات الأجنبية على العربية حين يتم تداولها على حساب اللغة الأم اللغة المرجع.

ولا يخفى مدى انكماش العربية تفكيراً وإنجازاً لأن صناعة المعرفة، وإنتاجها خليقة باللغات الحيّة التي يَسْتَفْرِدُ أهلها بالتنظير والتأطير للخلق والإبداع.

وهو المفقود في جغرافيا اللغة العربية، والمنبوذ تأصيلاً وتجذيراً.

ولا أصالة للغة، من غير إبداع، وتفكير عميق دؤوبٍ يوحّد الرؤية العامة؛ بوحدة المنطق ووحدة قناة التفكير.

2.2.1- سؤال الرّيادة والتّأصيل

لا خيار أمام اللغة العربية سوى أن تستعيد ريادتها الحضارية لضمان بقائها لغة كونية، وليس فقط لغة قوم مقصورةً عليهم مكاناً وزماناً.

هذا الخيار الحضاريّ المجدّد لها؛ قوامه: الرّسوخ ذاتياً، والشّموخ بين الأشباه والنظائر. لأن الرّسوخ يُسَدّدُ التنمية الذاتية، ويحقّق الديمومة الاجتماعية والاقتصادية، كما أن الشموخ التناظري يوسّع الانتشار خارج الجغرافيا ويحصّن الذات من الانمحاء أو التحلّل.

ومن ثم “يحصل التّقارض المغني وليس التعاوض المفني”([25]) أي التدافع الحضاري المُثْري للوجود؛ والقائم على التعاون والاقتراض المتبادل من غير كُساحٍ أو انزياح.

لن يتأتى هذا المطلب إلا بالتأصيل والبناء القويم المؤسَّسِ على “عبقرية” اللغة ذاتها؛ والحريص على التشكيل الحضاريّ للفكر القائم على اللغة وطرائق اشتغالها تركيباً ودلالةً.

فالتأصيل منجز تاريخي يقوم على “الخبرة التاريخية للمجتمع الذي ينظّم نفسه وممارسته التاريخية وفق القواعد الإسلامية بطريقة خاصة تميّز هوية كل بقعة إسلامية، وتشكل غزارتها الخاصة في السّجادة الإسلامية”([26]).

ولا يخفى ما للتأصيل من أهمية في حماية اللغة والمجتمع من النكوص والارتكاس؛ ف”وظيفة التيار التأصيلي في الثقافة العربية المحافظة على التوازن الدقيق، وحمايته، ودرء الأخطار عنه”([27]).

يمكن للتأصيل أن يتمظهر في عدة وجوه؛ ولن يكون دعوةً للثبات أو السكون الجامد. لعل من أظهر وجوه التأصيل الحرص على الابتكار والخلقِ والإبداع من داخل اللغة نفسها. ولا غرابة أن ينزع التأصيل إلى النقد الفعّال الذي يقاوم التحجّر، والتخشّب الفكري، أو التقوقع في قوالب جاهزةٍ لا تسمح بالتحول والتغاير.

إنّ النقد البناء الداعم للانفتاح وصياغة أسئلته من داخل موقف نقديّ وفكرٍ إشكاليّ يروم التجديد والتطوير والإغناء.

ومما لا شك فيه أن اللغة العربية مُثقلة حدّ الإنهاك؛ تاريخياً، بالكثير من القيود، والحدود، والتعليلات تفرض علينا اليوم، النظر إليها نقدياً بما يحقق أصالتها وقابلتها للمواكبة، واستيعاب المتغاير، والعدول عن الإفراط في التأويل المبالغ فيه؛ والتخلص من الأحكام المتضاربة، في نسقية القواعد النحوية واتساقها مع شمولية اللغة العربية، وخلوها من التناقض.

الواقع أن العيب ليس في العربية؛ بل هو عيب المناهج والنظرات التي أخذت بها العربية قديماً وحديثاً، حين تمّ صوغ تلك المناهج من مذاهب النحاة ومشاربهم المختلفة، فتداخلت “المسائل والأحكام” بالأهواء والمنازع الذاتية غير الموضوعية؛ فكثرت الدّعاوى والعصبيّة الضيقية، و”حسبها أنها احتلت على مدى الأجيال مركز الحقيقة وهي وهم؛ وحظيت بعناية الباحثين وهي أسطورة. فساهمت في إهدار قدراتٍ؛ وضللت في فهم الحق معا”([28]).

من هنا يتأتى لنا البحث عن صيّغ ملائمة وجديدة تفتح للعربية التأمّل والتحليل النقدي.

3.2.1- سؤال الخلق والإبداع

الخلقُ أو الإبداعُ ترجمان كلّ فعلٍ مبتكر وأصيل. لأن الابتكار بناء وإعادة تركيب؛ واشتغال على التشريح والتفكيك. من يخلق سوابقه ومستتبعاته يجيد سبر الأمور، والاختبار، ويمتلك قوة توليدية تحويلية يجترح بها لغة جديدة مفهوماً ومصطلحاً.

متى نخلق ما نفتقده؟ كيف نبدعُ ما نحتاجه؟ يكون الخلقُ ضرورةً وحاجةً عند العوز والافتقار؛ لأنّ اللغة، أيا كانت، لا تقف عند التقعيد والحدود التي تسدِّدُ الأخطاء أو اللحون؛ بل تعمد إلى المخالفة والتخطئة لتبنيَّ ما لم يكن مدركاً في لاوعي متكلميها.

إذ من المفارقة أنْ تفتنّ في إيجاد المخارج، والسّبل الجديدة التي ظلت مكتومةً
أو مبحوحة الصوتِ، غير معترف بها، ومعدودة من الشذوذ أو الاستثناء. ولعل في مقدور الذكاء الاصطناعي اليوم، وخوارزميات الحوسبة، واللسانيات الحاسوبية ما يفي بالغرض في تطوير اللغة العربية، جذراً وتكلماً، على شاكلة النًّظم العلمية المعلوماتية.

ولأن سؤال الخلق والإبداع، عربيّاً محكوم بالنّسق العربي الفصيح الخاضع لسلطة الإعراب: ميزان اللسان، فإن تطوير العربية لن ينفك عن صناعة المعاجم، وفصل الترجمة وأثره على التداول وبناء المعنى.

غير أن هذا الجهد وحده غير كافٍ ما لم يكن التعريب ضرورة معرفية، رأساً تربوياً
لا تتولاه المجامع اللغوية فحسب، بل يتم تنفيذه في شمولية الإصلاح والتنمية اجتماعياً، واقتصادياً، وتربوياً.

فالعربية لم تعد اليوم سليقة نظرية، بل هي اليوم اكتساب وتفكير يُعلن عن “أزمة إنسان”؛ لا “أزمة لسان”. أي لم يعد السؤال من يتكلّم العربية، بل أضحى أين تقيم العربية اليوم؟ ماذا نبني وننجزُ أياً كان المكان الذي نقيم فيه”([29]). فالأين هو الذي يفرز للعربية مكانتها ومكانها بين الأممِ. لم يعد المشرق هو لسان العربية، ولا المغربُ هوياتها، بل إن انفتاحها على شساعات أخرى تهيّئ لها المعايشة والانتعاشة على حدٍّ سواء.

“كلنا نعيش لغاتٍ في اللغة”([30]): أثارها، وأوهامها؛ وسلطانها؛ وهوياتها؛ واختلافاتها؛ وهذا متحقق مع سؤال الإبداع، وجدارته على التحقق والتجاوز. أو كما يقول عبد الفتاح كيليطو بصيغة أخرى: “أتكلم جميع اللغات؛ لكن بالعربية”([31]).

خلاصات

بعد هذا الامتداد نخلص إلى القول:

سؤال المستقبل مركّبٌ ومضاعفٌ يستنفر اللغة العربية من جهات ثلاث:

  • العولمة وتحدياتها الجدية التي تداهم الكون بشراسة لا تبقي ولا تذر. وعليه لزمت الممانعةُ والمقاومة حتى لا يضيع متكلم العربية، ويصير من غير لسان مبين.
  • الريادة والتأصيل: وهما غير الاستعادة والتقعيد، بل هما نافران نحو الأمام يدعوان إلى الرّسوخ والشّموخ رفعاً لأثقال الدهور وصراعات البيئات التي تحكمت فيها النزاعات العقدية في المسائل والأحكام.
  • الخلقُ والإبداع لاشتقاق الممكن والخلاّق الذي يرفع عنها “أزمة الإنسان” قبل “أزمة اللسان”. لأننا نعيش لغات متعددة داخل اللغة الواحدة، لكننا نتكلمها جميعها بالعربية: معنىً ومبنىً.

([1])- العربية (دراسات في اللغة واللهجات والأساليب): يوهان فك. مكتبة الخانجي/ القاهرة (د.ط). ص: 5.

([2])- لحظة المكاشفة الشعرية (إطلالة على الرعب): محمد لطفي اليوسفي، الدار التونسية/ 1992، ص-ص: 275-276.

([3])- سيبويه (180 هـ) إمام النحاة.

([4])- يوهان فك: مرجع سابق، ص: 51.

([5])- نفسه؛ ص: 234.

([6])- اللغة والحجاج: د. أبو بكر العزاوي، ط.1/2006 الدار البيضاء، ص: 133.

([7])- لسان حضارة القرآن: محمد الأوراغي، دار الأمان/ الرباط، ط.1/ 2010،ص: 41.

([8])- نفسه؛ ص: 42.

([9])- ملاّك الله والأوطان: علي حرب؛ الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت؛ ط. 2/2015. ص: 150.

([10])- الأمة والدولة: محمد محفوظ؛ المركز الثقافي العربي. ط.1/2000. ص: 9.

([11])- نفسه؛ ص: 12.

([12])- محمد الأوراغي: مرجع مذكور؛ ص: 70.

([13])- النص القرآني وآفاق الكتابة: أدونيس؛ دار الآداب، ط.2/2010؛ ص: 72.

([14])- الأوراغي: مرجع مذكور؛ ص: 70.

([15])- نفسه: ص 93.

([16])- نفسه: ص 101.

([17])- في التلقي اللغوي والمعجمي: د. عباس الصوري. ط.1/2004، البيضاء، ص: 119.

([18])- نفسه؛ ص: 108.

([19])- نفسه: ص 91.

([20])- المسألة الحضارية: زكي الميلاد. المركز الثقافي العربي/ بيروت/ البيضاء. ط.1/ 1999. ص: 32.

([21])- نفسه: ص 39.

([22])- نفسه: ص 39.

([23])- الأوراغي: مرجع سابق، ص ص (66-67).

([24])- الاختلاج اللساني: نعيم علوية. المركز الثقافي العربي؛ بيروت/ البيضاء. ط.1/ 1992.

([25])- محمد الأوراغي، مرجع مذكور؛ ص: 129.

([26])- نحو ثقافة تأصيلية (البيان التأصيلي): محمد محمود شاويش. الدار العربية للعلوم. ناشرون/ ط.1/ 2007، ص: 29.

([27])- نفسه؛ ص: 36.

([28])- تقويم الفكر النحوي: د. علي أبو المكارم. دار الثقافة بيروت. ط.1/ 1975، ص: 244.

([29])- علي حرب: مرجع مذكور؛ ص: 61.

([30])- انتعاشة اللغة (كتابات في الترجمة): عبد السلام بنعبد العالي. منشورات المتوسط/ إيطاليا. ط 1/ 2021. ص: 9

([31])- أتكلم جميع اللغات، لكن بالعربية: عبد الفتاح كيليطو؛ ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي. دار توبقال. ط.1 / 2013.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *