تحريم القتل الجماعي أساس حرمة السلاح النووي

تحريم القتل الجماعي أساس حرمة السلاح النووي
وفقًا لتفاسير معتبرة، الهدف النهائي للآية هو إعلاء كلمة الله وهداية البشر، وهو ما يتنافى مع استخدام أسلحة الدمار الشامل. وعليه، فإن الاستدلال بهذه الآية لإباحة...

إنّ آية الله العظمى السيد علي الخامنئي، قائد الثورة الإسلامية، الذي كان قد أعلن منذ ما قبل عقد الثمانينيات الهجريّة عن معارضته من زوايا مختلفة لأسلحة الدمار الشامل، ومنها الأسلحة النووية، أكّد لأول مرة في فتوى فقهية في شهر بهمن سنة 1388هـ.ش (فبراير 2010م) أنّ استخدام السلاح النووي حرام وممنوع. وقد كرّر هذه الفتوى في مناسبات عديدة، ولكنّ ذروتها ومركزها كان في رسالته إلى المؤتمر الدولي الأوّل لنزع السلاح ومنع الانتشار النووي سنة 1389هـ.ش، حيث أعاد التأكيد على فتواه بحرمة إنتاج واستخدام الأسلحة النووية، وعمّم هذه الفتوى لتشمل باقي أسلحة الدمار الشامل، واعتبر استخدامها جريمة ضد الإنسانية، مصرحًا:

«نحن نعدّ استخدام هذه الأسلحة حراماً، ونسعى لتحصين أبناء البشرية من هذا البلاء العظيم، ونعتبر ذلك واجبًا على الجميع».

ومنذ ذلك الحين، واصل سماحته في مناسبات مختلفة توضيح آرائه حول حرمة الأسلحة النووية، وشرح بعض أبعاد فتواه في هذا المجال.

في خلفية الفتوى النووية لسماحته، يُلاحظ أنّه رغم كون السلاح النووي من المسائل المستحدثة التي لم يكن لها وجود في زمن المعصومين أو في الفقه الإمامي الكلاسيكي، فإنّ هذا لا ينفي إمكان إصدار فتوى بشأنه. فالموضوعات المستجدة لا يشترط وجودها بعينها في الأزمنة السابقة، بل يكفي وجود معيارها في نظائرها. على سبيل المثال، إمكان تسميم المياه والهواء في أرض العدو والذي يترتب عليه قتل جماعي، وهو ما قد ورد النهي عنه في الشريعة. لذلك، فإنّ فتوى آية الله الخامنئي نالت تأييد مراجع كبار آخرين مثل آية الله مكارم الشيرازي، آية الله جوادي آملي، آية الله سبحاني وآية الله نوري همداني، حيث أكّدوا جميعاً على حرمة أسلحة الدمار الشامل.

رغم الترحيب الدولي والفقهي بهذه الفتوى، إلا أنّ بعض الأطراف الداخلية والخارجية، إما جهلاً أو تعمّدًا، اعتبروها حكماً حكوميًا صادراً لمجرد المصلحة أو التقية، ووصفوها بأنّها حكم مؤقت قابل للتغيير. وهذا إنّما يدل على عدم إدراكهم لطبيعة هذه الفتوى؛ إذ خلطوا بين خصائص الأحكام الحكومية والأحكام الثانوية كأحكام التقية، وألحقوا حكم الفتوى بهما. والحال أنّ هذه الفتوى صادرة عن فقيه جامع للشرائط يتبوأ مقام المرجعية وقيادة الجمهورية الإسلامية، وقد صدرت بناءً على أدلة شرعية معتبرة (من العقل، والنصوص، والقواعد الشرعية)، ونُصَّ عليها بوضوح ضمن منهج الاجتهاد، ما يجعلها فتوى فقهية بكل ما تقتضيه من آثار، كالديمومة والامتداد، ولا يمكن اعتبارها حكماً تقياً أو ظرفياً.

نقطة مهمّة ينبغي الإشارة إليها، هي أنّ تبيين فتوى آية الله العظمى الخامنئي بشأن حرمة السلاح النووي يحتاج إلى تضافر جهود المؤسسات العلمية والثقافية والدبلوماسية، من أجل طرح هذه الفتوى كعقيدة فقهية وحقوقية فاعلة على مستوى العالم.

ويستند البعض إلى الآية 60 من سورة الأنفال:

«وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ…»

ليُجيزوا تصنيع السلاح النووي بهدف الردع. غير أنّ هذا الاستدلال قابل للنقد من عدّة وجوه:

أولاً: في الأصول الفقهية، تقرّر أنّه لا يجوز استخدام الوسائل المحرّمة لتحقيق الغايات الإلهية. وإن كانت الآية تحثّ على الاستعداد العسكري، فإنّ هذا لا يعني جواز استخدام أي نوع من الأسلحة.

ثانيًا: مفهوم “القوة” في الآية مفهوم واسع يشمل القوة العسكرية، والاقتصادية، والعلمية، والثقافية.

ثالثًا: غاية الآية هي إلقاء الرعب في قلوب الأعداء، ولكن السلاح النووي يتسبب في رعب شامل ويهدد حياة المدنيين.

رابعًا: وفقًا لتفاسير معتبرة، الهدف النهائي للآية هو إعلاء كلمة الله وهداية البشر، وهو ما يتنافى مع استخدام أسلحة الدمار الشامل. وعليه، فإن الاستدلال بهذه الآية لإباحة تصنيع السلاح النووي، غير سليم.

أما إذا افترضنا أنّ نظرية الردع النووي ليست جزءًا من استراتيجية الأمن القومي لإيران، فما البديل؟

يعتبر آية الله الخامنئي أنّ “نموذج الديمقراطية الدينية، ونموذج الاستقلال والعزّة والوحدة الوطنية” هو السبيل الأهم لتحقيق الردع، ويصف الشباب بأنهم السلاح النووي الحقيقي للبلاد، ويؤكد أنّ النظام الذي يمتلك شبابًا مؤمنين وشعبًا موحدًا لا يحتاج إلى قنبلة نووية.

ويرى سماحته أنّ قدرة البلاد الحقيقية تكمن في امتلاك طاقات بشرية قوية تتمتع بالعلم، والإيمان، والثبات، ويعتقد أنّ ما يصوننا أمام الهجمات الشاملة للأعداء على مختلف المستويات هو: تعزيز الإيمان، تعزيز العلم، تطوير التكنولوجيا، التمكن من التقنيات الحديثة، الريادة في إنتاج العلم، وتنمية المواهب في مختلف الميادين العلمية، سواء كانت علومًا إنسانية أو طبيعية أو تجريبية.

وقد شدّد دائمًا على ضرورة المضي قدمًا في حدود العلم والتكنولوجيا. لذا نرى اليوم أنّ القطاع العسكري في البلاد، عبر الاستفادة من طاقات الشباب المؤمن، قام بتطوير تقنيات الطائرات المسيّرة والصواريخ بشكل كبير، مما حقق – كما عبّر سماحته – نوعًا من الردع، دون الحاجة إلى تصنيع السلاح النووي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *