عندما نتحدث عن السيادة الوطنية، غالباً ما ينحصر النقاش في الوجود العسكري الأجنبي وموعد خروجه، لكن السؤال الأهم هو: ماذا بعد الخروج؟
فخروج القوات الأجنبية لا يعني بالضرورة اكتمال السيادة، إذا بقي القرار السياسي مرتهناً لإرادات خارجية أو ظلت مراكز القوة متعددة بما يضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرار وطني مستقل.
ومن هنا، فإن الحديث عن السلاح في العراق يحتاج إلى مقاربة أكثر واقعية. فبدلاً من اختزال المسألة بشعار “حصر السلاح”، يمكن الحديث عن “تنظيم السلاح” ضمن الدولة، وبما ينسجم مع الدستور والقانون، من دون تجاهل الدور الذي أدته فصائل المقاومة في مواجهة الاحتلال والإرهاب والدفاع عن العراق.
المطلوب ليس وضع الدولة في مواجهة المقاومة، ولا إبقاء العراق في حالة استثنائية دائمة، وإنما الوصول إلى صيغة تجعل القوة الوطنية جزءاً من القرار الوطني، وتمنع تعدد مراكز القرار السيادي.
وتقدم تجربة إيرلندا الشمالية، مع اختلاف ظروفها عن العراق، مثالاً مهماً على إمكانية الانتقال من الصراع المسلح إلى المسار السياسي. فقد ارتبط اتفاق بلفاست عام 1998 بمسار سياسي طويل انتهى إلى إخراج أسلحة الجيش الجمهوري الإيرلندي من الخدمة، بالتوازي مع التحول نحو العمل السياسي والمؤسساتي.
والدرس هنا ليس نسخ التجربة، بل إدراك أن معالجة ملف السلاح لا تتم بمعزل عن السياسة وبناء الثقة وضمان المشاركة، وإنما ضمن مسار وطني يجعل المؤسسات الدستورية إطاراً للجميع.
لذلك، فإن السيادة العراقية لا ينبغي أن تُختزل في خروج الجندي الأجنبي، بل في استعادة القرار العراقي.
العراق القوي ليس العراق الذي يتخلى عن عناصر قوته، ولا العراق الذي يبقيها خارج إطار الدولة، وإنما العراق الذي يستطيع أن ينظم قوته الوطنية ويحميها، ويجعل الدستور مرجعية الاحتكام، ويقرر سياسته الخارجية والداخلية وفق مصالحه الوطنية.
فالانسحاب العسكري قد يكون محطة في طريق السيادة، لكن السيادة الحقيقية تبدأ عندما يصبح القرار عراقياً.


