إحاطة استراتيجية من مقاومة الوجود إلى الردع داخل الدولة

إحاطة استراتيجية من مقاومة الوجود إلى الردع داخل الدولة
يرى التحليل أن انتهاء المهمة الأمريكية يضعف مبرر «مقاومة الوجود الأجنبي» دون أن ينهي دوافع السلاح الأخرى، وأن الاختبار الحقيقي هو نقل قرار القوة والموارد إلى الدولة عبر دمج تدريجي يمنع بقاء ازدواجية القيادة تحت غطاء مؤسسي....

تحليل سياسي استراتيجي استشرافي — العراق بعد انتهاء المهمة العسكرية الأمريكية

  1. الخلاصة التنفيذية:

انتهاء المهمة العسكرية الأمريكية يسحب من الفصائل مبرر النشأة المعلن (مقاومة الاحتلال) ولا يسحب مبررات البقاء (الردع الإقليمي، الوزن السياسي، الاقتصاد الموازي، الارتباط بطهران). لذلك لن يكون التحول تلقائياً. هو مفاوضات على ثلاثة أمور: من يملك قرار استخدام القوة، ومن يملك الموارد، وما الدور الإقليمي المسموح للعراق.

  1. 2. المعطيات المستجدة (حتى 4 أكتوبر 2026):
  • أعلنت واشنطن وشركاؤها اختتام عملية”العزم الصلب” بعد استكمال سحب القوات والمعدات من قاعدة أربيل، بعد 12 عاماً من المهمة. وكان العراق قد أعلن في يناير اكتمال الانسحاب من الأراضي الاتحادية، ما عدا إقليم كردستان.
  • أعلنت الفصائل أنها لا تلتزم بأي موعد أو اتفاق لتسليم سلاحها، وتراجعت الحكومة عن المهلة وتحدثت عن استمرار التفاوض بشأن “تنظيم السلاح”، وتشير القراءات إلى أن موعداً جديداً يمتد إلى منتصف 2027 حلّ محل 30 سبتمبر.
  • الفصائل منقسمة. عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي سلّمتا إدارة ألويتهما ضمن الحشد للحكومة. في المقابل تتمسك كتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء وحركة النجباء بسلاحها.
  • الضغط الأمريكي مستمر: واشنطن تنتظر “إجراءات ملموسة” قبل استئناف المساعدات، والسياق الإقليمي هو الحرب الأمريكية الإيرانية.
  • العلاقة تنتقل إلى شراكة دفاعية ثنائية مع استمرار التعاون ضد داعش، وليس إلى قطيعة.
  1. الإطار النظري:

أ. ويبر وتيلي (احتكار العنف المشروع): الدولة التي لا تحتكر قرار القوة دولة منقوصة السيادة، لكن تيلي يذكّر بأن الدول تتشكل بتفاوض مع حائزي العنف وليس بنزعه دفعة واحدة، هذا يرجّح مساراً تفاوضياً تدريجياً.

ب. النظام الهجين (Hybrid Order): الحشد الشعبي بعد قانون 2016 مثال على تداخل الرسمي وغير الرسمي: رواتب وهيكل من الدولة، وولاء قيادي وعقائدي خارجها. التحدي في فكّ هذا التداخل.

ج. التهديد والتوازن (والت): تتوازن القوى أمام “التهديد” وليس أمام القوة وحدها، إذا غاب التهديد الأمريكي المباشر فإن الفصائل تعيد تعريف مبررها حول تهديدين آخرين: إسرائيل وداعش. وهذا يفسر لماذا ستسعى لدور “الردع” بدل “المقاومة”.

د. الردع (شيلنغ): الردع يتطلب عنوان قرار واحداً، وصدقية، وقدرة على التحكم بالتصعيد. تعدد مراكز القرار يحوّل السلاح من أداة ردع إلى مصدر مخاطرة للدولة، لأنه قد يستدرج ضربات على العراق كله من دون قرار سيادي.

هـ. اللعبة ذات المستويين (بوتنام): بغداد تفاوض واشنطن وطهران والفصائل في آن واحد. أي تنازل لطرف يرفع كلفتها أمام آخر.

و. الوكيل والموكّل: الفصائل “وكلاء” لطهران، لكنها صارت أيضاً أصحاب مصالح محلية (اقتصادية وانتخابية)، وهذا يضعف قدرة الراعي الخارجي نفسه على ضبطها.

  1. السياق التاريخي:
  • 2003: حلّ الجيش وبناء أمني بديل أنتج بيئة الفاعلين المسلحين.
  • 2008: صولة الفرسان أظهرت أن الدولة قادرة على الحسم حين يتوافر غطاء سياسي ودعم خارجي مزدوج.
  • 2011 ثم 2014: الانسحاب الأمريكي ثم انهيار الموصل. الدرس أن الفراغ الأمني يُملأ بسرعة، وأن الفتوى والتعبئة أنتجتا شرعية جديدة للحشد.
  • 2016: قانون الحشد، أول محاولة لدمج القوة غير النظامية في مؤسسة رسمية، لكنه أبقى استقلالاً عملياً.
  • 2020: مقتل سليماني والمهندس وقرار البرلمان بإخراج القوات الأجنبية، وهو ما جعل “الإخراج” قضية سيادة وليس قضية فصائل فقط.
  • المقارنة اللبنانية: حزب الله مثال على أن سلاح مقاومة يمكن أن يتحول إلى قوة ردع خارج الدولة ثم يصبح عبئاً عليها. وبغداد تحاول تفادي هذا المسار.
  1. إعادة صياغة المنطق والوظيفة والموقع:
بعد المطلوب قبل البعد
حماية السيادة ضمن عقيدة وطنية مقاومة وجود أجنبي المنطق
ردع بقرار الدولة، ومكوّن في منظومة دفاع جوي وصاروخي وسيبراني استنزاف وضغط وردع غير متماثل الوظیفة
داخل التسلسل (رئاسة الوزراء والقائد العام ومجلس الأمن الوطني) خارج التسلسل، بولاء مزدوج الموقع

 

  1. التحديات أمام ربط القدرات بوحدة القرار:
  2. معضلة الالتزام: لا تثق الفصائل بأن الدولة ستحميها من الاستهداف الأمريكي أو الإسرائيلي بعد التسليم، ولا تثق واشنطن بأن الدمج حقيقي.
  3.  التعدد الداخلي: انقسام الفصائل بين متدرج ومتمنّع يمنح كل طرف حافزاً لانتظار الآخر، ويحوّل الدمج إلى «لعبة انتظار».
  4. الارتباط العقائدي بطهران: جزء من القرار العسكري لا يُحسم في بغداد. والحرب الأمريكية الإيرانية ترفع قيمة هذه الأذرع لدى طهران وتزيد تمسكها بها.
  5. الاقتصاد السياسي: شركات ومنافذ وعقود ورواتب. الدمج يمس شبكة مصالح، وليس السلاح وحده.
  6. الشرعية الدينية والقانونية: يتطلب الأمر تعديلاً تشريعياً لقانون الحشد وتحديداً دقيقاً لمعنى «السلاح الثقيل والمتوسط»، وهو ما لم يُحسم.
  7. السياسة الانتخابية: الفصائل ممثلة في البرلمان والحكومة، فتتحول من «هدف نزع سلاح» إلى «شريك في القرار».
  8. ضغط الزمن الخارجي: الإفراط في الاستعجال الأمريكي قد يُظهر الحكومة وكأنها تنفذ إملاءات، فيقوّي خطاب المتمنعين.
  9. عامل داعش وكردستان: بقاء خلايا التنظيم يمنح حجة الحاجة إلى القوة، ومسألة ما بعد الانسحاب في الإقليم تضيف بعداً مستقلاً.
  10. السيناريوهات (آفاق 2027):
الوصف السیناریو
تسليم الثقيل أولاً ومعالجة المتوسط لاحقاً، مقابل ضمانات سياسية وقانونية وغطاء من ضربات خارجية. يقتضي صبراً من واشنطن. أ. الدمج التفاوضي المتدرج (الأرجح)
تسجيل وهياكل جديدة، مع بقاء القرار الفعلي في الفصائل. يخفف الضغط ويؤجل الأزمة، وهو مرشح قوي إذا ضاق هامش الحكومة. ب. التنظيم الشكلي
مواجهة مع الفصائل المتمنعة، قانونية أو أمنية، بدعم أمريكي. احتمالها أقل وكلفتها أعلى ما لم تتغير موازين الحرب الإقليمية. ج. الصدام المحدود
تصعيد إقليمي (إسرائيل أو إيران أو أمريكا) يعيد تفعيل الفصائل ويُسقط خطة الحصر. د. الارتداد

 

  1. التوصيات:
  2. عقيدة أمن وطني مكتوبة تحدد التهديدات ودور كل تشكيل، وتجعل «الردع» وظيفة مؤسسية.
  3.  قيادة عمليات موحدة بقواعد اشتباك ورقابة برلمانية، مع منع أي استخدام للقوة خارج الحدود دون قرار سيادي.
  4. جدول زمني متدرج ومعلن مرتبط بمؤشرات قابلة للقياس بدل المواعيد المفاجئة.
  5. تفكيك الاقتصاد الموازي بالتوازي مع الدمج، وإلا بقيت القوة المالية خارج السيطرة.
  6. ضمانات متبادلة مع واشنطن: وقف الاستهداف مقابل حصر فعلي.
  7. تحييد العراق عن حروب الإقليم بسياسة توازن معلنة تجاه طهران وواشنطن وسوريا ولبنان.
  8. بناء قدرة ردعية رسمية (دفاع جوي وقدرات سيبرانية)، فلا يبقى الردع ذريعة لسلاح موازٍ.
  9. مؤشرات المتابعة:
  • عدد الفصائل التي تسلّم الإدارة ونوعية ما تسلّمه.
  • تعديل قانون الحشد وتعريف السلاح الثقيل والمتوسط.
  • أي هجمات على مصالح أجنبية أو من الأراضي العراقية، وردود الفعل عليه.
  • مسار المساعدات الأمريكية وحجمها.
  • تطورات الحرب الأمريكية الإيرانية وموقع العراق فيها.

الحكم الاستراتيجي:

نهاية المهمة العسكرية تفتح نافذة، لكن نجاحها يتوقف على قدرة بغداد على تقديم بديل أمني وسياسي مقنع للفصائل يضمن لها بقاءً ضمن الدولة، وعلى قبول واشنطن وطهران بتدرج لا يُهين أياً منهما.

الخطر الأكبر هو التحول إلى دمج شكلي يترك ازدواجية القرار قائمة تحت عنوان جديد.

المصادر المعلوماتية للمعطيات الراهنة: تقارير الجزيرة للدراسات، يورونيوز، شفق نيوز، إرم نيوز، وصحيفة الخليج (يونيو–سبتمبر 2026)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *