لا إصلاح بدون حساب .. هيبة الدولة تبدأ من محاسبة الفاسدين

لا إصلاح بدون حساب .. هيبة الدولة تبدأ من محاسبة الفاسدين
تبدأ هيبة الدولة من محاسبة الفاسدين بلا استثناء، وترسيخ سلطة القانون، واسترداد المال العام، فالقضاء المستقل والحازم هو الضمانة الأساسية لمكافحة الفساد واستعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة ومستقبلها...

لا يمكن لأي دولة أن تفرض هيبتها أو ترّسخ سلطة القانون ما لم تكن قادرة على محاسبة من يعتدي على المال العام أو يستغل موقعه الوظيفي لتحقيق مكاسب شخصية على حساب مصالح المواطنين ، فالدولة القوية لا تُقاس فقط بما تمتلكه من مؤسسات وإمكانات ، بل تقاس بقدرتها على تطبيق القانون بعدالة وحزم على الجميع من دون استثناء ..

وفي العراق حيث شكّل الفساد على مدى السنوات المنصرمة تحديًا كبيرًا أمام جهود البناء والإعمار والتنمية ، أصبحت معركة مكافحة الفساد واحدة من أهم المعارك التي تتعلق بمستقبل الدولة واستقرارها وسيادتها ومستقبل أجيالها القادمة ، فأموال الشعب العراقي التي هدرت وسرقت بسبب الفساد هي أموال كان من المفترض أن تُوجَّه إلى مشاريع خدمية وتنموية تسهم في تحسين حياة المواطنين المعيشية وتساهم في بناء البلد وتعزيز اقتصاده الوطني ..

ومن هنا تبرز أهمية القضاء بوصفه الحصن الأخير للدولة في مواجهة الفساد وتجفيف منابعه ، فالقضاء المستقل والقوي لا يقتصر دوره على الفصل في المنازعات وإصدار الأحكام ، بل يمثل الأداة الأهم في ترسيخ مبدأ المساءلة ومنع الإفلات من العقاب .. وكلما كانت الإجراءات القضائية أكثر فاعلية وسرعة وحزمًا ، ازداد شعور المواطن بأن الدولة جادة في حماية حقوقه وصون ثرواته ..

إنّ أخطر ما يواجه جهود مكافحة الفساد ليس حجم الفساد نفسه ، بل الاعتقاد بإمكانية الإفلات من العقاب ، فعندما يظن الفاسد أنّ نفوذه أو منصبه أو علاقاته قادرة على حمايته ، تتراجع هيبة الدولة وتتآكل ثقة المواطنين بمؤسساتها ، أما عندما يرى الجميع أنّ القانون يُطبق على الكبير قبل الصغير وأنّ العقوبات تطال كل من يثبت تورطه في قضايا الفساد ، فإنّ ذلك يرّسخ هيبة الدولة ويعزز سلطة القانون ..

ولذلك فإنّ الردع القضائي الحازم يشكل حجر الأساس في أيًّ استراتيجية حقيقية لمكافحة الفساد ، فالعقوبات الرادعة ليست غاية بحد ذاتها ، وإنما وسيلة لحماية المجتمع ومنع تكرار الجريمة وتجفيف منابع الفساد ،؟كما أن استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة المتسببين بهدر المال العام يمثلان رسالة واضحة بأن حقوق الشعب ليست مباحة ، وأنّ الدولة قادرة على الدفاع عن مقدراتها وثرواتها ..

إنّ المواطن العراقي يتطلع اليوم إلى رؤية نتائج ملموسة في ملف مكافحة الفساد ليس عبر التصريحات والخطابات ، وإنما من خلال إجراءات قانونية حاسمة تضع الفاسدين في السجون لتؤكد للرأي العام العراقي ، أنّ لا أحد فوق القانون ، فبقدر ما تكون المحاسبة شاملة وعادلة ، بقدر ما تترسخ الثقة بالدولة ومؤسساتها ..

وفي الختام ، فإن بناء دولة قوية ومزدهرة يبدأ من ترسيخ العدالة وإنفاذ القانون ، وهيبة الدولة لا تتحقق بالشعارات ، بل تتحقق عندما يعلم الجميع أنّ الاعتداء على المال العام جريمة يعاقب عليها القانون بحزم ، وأنّ القضاء قادر على الوصول إلى الفاسدين ومحاسبتهم مهما كانت مواقعهم ، فحين تسود العدالة وتُفرض المساءلة ، تستعيد الدولة هيبتها ويستعيد المواطن ثقته بمستقبله ووطنه .. ثقتنا بقضائنا بملاحقة رؤوس الفساد الكبيرة واسترداد أموال الشعب العراقي لا حدود لها ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *