في أعلى قمة الجبل، حيث تسبح عبر السماء الزرقاء مجموعة من الغيوم البيضاء الشاحبة، يمتد حبل ملتف حول صخرة كبيرة، يتدلى من ارتفاع شاهق، في الطرف الثاني من الحبل يدان داميتان ممسكتان بقوة تحاولان جاهدتين الإمساك به تجنبًا للسقوط، وصوت اللهاث المتلاحق وزفرات الموت التي أنفثها كل يوم حين تراودني هذه التخيلات، كأنها حقيقة بحيث أن يداي تؤلمانني بشدة، وأكاد ألاحظ أثر الحبل عليهما، وقلبي يخفق بسرعة مثل لهب شمعة في مهب الريح، كيف السبيل للخروج من مأزق كهذا؟ أمامي خياران لا ثالث لهما، أحدهما أشد خطورة من الآخر، إما أن أصعد إلى الأعلى محاولًا اجتياز اختبار الصمود وهذا صعب جدًا، أو أبقى أتدلى وأصمد لأطول فترة ممكنة، إلى حين سقوطي فالحبل لا يكفي للنزول، هكذا خبرت الدنيا حقل تجارب لا نهاية له، عالمًا من الغم وساحة ابتلاءات مترامية الأطراف.
طول الطريق إلى السوق أفكر في حل هذا اللغز، حتى نظرت إلى يدي التي احمر جلدها من أثر أكياس الخضروات التي أحملها، وكأنها خطوط حبل الاختبار التي رأيتها.
في هذه الأثناء وحين تعفرت تلعفر بنور الصباح الصامت، وقبل أن تتسلق الشمس خاصرة السماء، تعالت أصوات مكبرات الصوت في المساجد، تدوي في شوارع تلعفر، كأنها صرخات نداء في أفق المعركة: يا أهالي تلعفر، حيَّ على الجهاد، كل من في بيته رجل تجاوز عمره خمسة عشر عامًا، يجب عليه أن يتطوع وبخلافه سنعتبره متخاذلًا، ويعدم شنقًا حتى الموت.
انتشرت نقاط التفتيش في المدينة، بحثًا عن الصبيان والرجال، وضعوا المشنقة في الطريق الوحيد المؤدي إلى سوق المدينة، انتشرت في ميدان (الخلافة ) كما يحبون تسميته، حالات الرجم وقطع الأيدي وتفشت أحكام الجلد القاسية، نتيجة وشايات دنيئة، لا تميز بين الصغير والكبير، فالأمير يعتمد على ثقته بعناصره، مهما كانوا فاسدين.
بعداوات شخصية صدرت أحكام جائرة، ثمانون جلدة للأستاذ هادي معلم الرياضيات، لأنه صفع جندي الخلافة على خده الأيمن حين كان يُدرّسه في الابتدائية؛ بعد أن زيف الحقائق ولفق له تهمة بحقد دفين، وآخر صب جام غضبه على امرأة كان يحبها في شبابه، رفض والدها أن يزوجها إياه، فاتهمها بشرفها، وسيقت إلى الجلد، بعد أن كان يطالب برجمها.
كنت أزمجر مثل الأسد في داخلي، مع أن قلبي مليء رقة وعذوبة، أجلد روحي الخرساء مرارًا وتكرارًا، حين أشاهد هذه الحكايات المأساوية تتوالى، وقصص عار كثيرة، أبطالها يلقبون أنفسهم بجند الخلافة، لولا معرفتي بالمدينة لظننت أنها جهنم، وهؤلاء زبانيتها، مع ذلك حاشا لله أن يتخذ زبانيَةً مثل هؤلاء.
ولدي الوحيد سامر أخفيته عن الأنظار منذ دخولهم لمدينة تلعفر، لا يعلم بوجوده أحد سوى جيراني، الذين لم ينضموا لهذا الكيان الإجرامي، مع أني معروف لأشخاص كثيرين، وأنا أعلم أنه لا دين للوشاة، لأنهم أكثر خلق الله شرًا.
كنت كل يوم أذهب للسوق، وأمر بكل هذه المجازر التي تحصل أمامي، المدينة شبه خالية من الشباب، ما خلا المتطوعين، المجبرين منهم والمندفعين، بعد أن غسلوا أدمغتهم الصغيرة.
عند عودتي من سوق تلعفر الكبير، كانت تتراءى لي مشاهد يوم أمس، حين وضعوا حبل المشنقة المعلق بخشبة عالية حول عنق ذلك الرجل الفقير، أصعدوه على الكرسي، كان ينظر إلى ولده ابن العشرة أعوام، وعيناه مغرورقتان بالدموع، والابن ينظر إليه بدون مشاعر، بل إن علامات الفرح بادية عليه، وكان أولاد الزنا يشجعونه:
-هيا يا غلام، اضرب الكرسي وأسقط هذا المشرك.
بين تردد ورغبة، وعصيان ورضوخ، نظرات الطفل ترددت بين رقبة أبيه المحاطة بالحبل، وبين قدمه المرتجفة فوق الكرسي. هزته قشعريرة عنيفة، برقت من عينيه نظرة صارمة، يبدو أن الشيطان انتصر على عقله، انتصب فجأة، وقطب جبينه، أسقط الكرسي بقوة، تدلت رقبة أبيه، رفس برجليه، وشخر بقوة، مع زفرة عميقة وصوت خافت، كأنه عويل حيوان جريح:
-أوصيك.. بأمك.. وإخوتك.. يا ولدي.
لا أدري ما حصل، أكياس الخضار سقطت مني على الأرض، وانحنى ظهري، ولا أستطيع التوازن، أنا الرجل الستيني الذي ضمر بدنه، وضعف بصره، لا طاقة لي على تحمل هذه المشاهد، قاتل الله من كان السبب، أزحت نظارتي وكففت دموعي بكوفيتي حتى لا أثير حفيظة المنتشين، بصيحات “الله أكبر” بعد أن حملوا الطفل فوق أكتافهم، إن هذه النداءات للنصر على الأعداء، وليس لقتل الأبرياء، كيف يكون النصر بالإجرام؟ حسنًا فعلوا حين أطلقوا هذه الشعارات ليكون الله شاهدًا على إجرامهم.
عدت إلى وعيي حين تعثرت بحجر كدت أسقط منه، خامرتني رغبة في التقاط أنفاسي، بعد شريط ذاكرة يوم أمس الذي أرعبني، فضلت الاستمرار في طريقي، مشيت قليلًا فانعدمت عندي الرؤية، وكأن غشاوة من ضباب عصبت رأسي، أغمضت عيني نصف إغماضة، ونزلت نحو الأرض أبحث عن نظارتي، فلم أجدها، يا إلهي أنا بدونها لا شيء، قررت إكمال طريقي إلى حين وصولي لبيتي، عثرة هنا، وخطوة صحيحة هناك، أكملت مسيرتي، وصلت إلى مكان الإعدامات، حيث المشنقة التي لم تخل يومًا من الرقاب تتوسط الطريق، أوقفني مسلحون:
-لن تمر من هنا ما لم تسقط هذا المتخاذل من الكرسي.
كنت مرتبكًا جدًا، صمتُّ في البداية من هول الصدمة، وبعد وهلة قلت لهم:
-لا أستطيع وضع قدمي على الأرض، فكيف أسقط هذا الرجل؟
كانت رؤيتي مشوشة لا أميز منه إلا الحركات، حين صمتْ قليلًا خمنتُ أنه سيعفيني من المهمة، لكن شخصًا همس في أذنه، فأصر على تنفيذي للإعدام، حاولت التملص بكل طريقة، لكنه قال بضرس قاطع:
– إن لم تسقطه ستكون مكانه.
نظرت إلى الرجل، الذي لا أستطيع تمييز ملامحه، كان فمه مغلقًا، لا أسمع منه غير همهمة ونشيج، اقتربت منه جدًا، كدت أصطدم به، أمسكت بساقيه، وأنزلت يدي نحو أصابع قدميه التي ينزف منها الدم من أثر التعذيب. كيف لي أن أنظر إلى وجهه؟ أو أميز ملامحه؟ لعلي أعرفه، حاولت أن أرفع يدي لأوصلها إلى وجهه، وأسحب الشيء الذي يغلق فمه لعله يخبرني من هم أهله، لكن ذلك الرجل المسلح نهرني وأبعدني عنه:
-إن لم تنفذ سنقتلكما معًا هذه المرة.
اقتربت مرة أخرى، جلست على ركبتي، أبعدت الكرسي بدفعة قوية من يدي، وكنت أبكي مثل الثكالى، حاولت أن أمسك قدميه، ضربني الحارس بأخمص البندقية وأجلسني على الأرض، سمعت آخر همهمات الموت، وصرير الخشبة، وحفيف الحبل على الرقبة.
أخذت أكياسي، وذهبت مكسورًا ذليلًا، حالي حال من يزهق أرواحًا بريئة، لا حول لها ولا قوة. هل سيسامحني ربي؟ هل جائز ما فعلت؟ ليتني لم أفعل، أحسست بآلام توخز قلبي، وجفاف في فمي، كأن دم قلبي ينزف مع عبراتي، ضربت بكفي على جبيني مرات عديدة لعلي أصحو من هذا الكابوس، بعد بضع خطوات وأنا في هذه الحالة، جاءت زوجتي تصيح وتلطم على وجهها وتقول:
-لقد أخذوا سامر.
التفتُّ إلى الوراء نحو المشنقة، نظرت زوجتي نحوها أيضًا وسقطت مغشيًا عليها، أما أنا فقد انفرط مني ذلك الحبل وهويت من أعلى الجبل.


