يشنّ التحالف الأمريكي-الإسرائيلي حرباً متوحشة ،تستهدف البيئة الشيعية في لبنان، بسبب دعمها للقضية الفلسطينية ورفضها مشاريع التوطين والتطبيع والصلح مع إسرائيل ويُروَّج لهذه الحرب على أنها ليست موجهة ضد الدولة اللبنانية ككل، بل محصورة بالطائفة والجغرافيا الشيعية، لا سيما في الجنوب بعد نجاح أمريكا في تنصيب نظام سياسي يتعاون مع العدو الإسرائيلي في مواجهة المقاومة، وهو على قاب قوسين أو أدنى من التطبيع مع رئيس وزراء الاحتلال، سواء كان ذلك طوعاً أو كرهاً أو نتيجة حسابات سياسية خاطئة. وفي حال تعثر هذا المسار، يُهدَّد بتصعيد عسكري وحشي على الجبهة الوحيدة التي لا تزال مشتعلة في لبنان، مع تحميل الشيعة -والرافضين لهذا المسار- مسؤولية ما قد يترتب على ذلك من دمار وقتل دون الاستفادة من فشل التنازلات التي قدمها السلطة السياسية ضد المقاومة من معالجة أبسط الاحتياجات الإنسانية والخدماتية للمواطنين(تصليح قسطل مياه او سحب شهيد وجريح)، فكيف لها أن تؤدي إلى إنهاء الاحتلال أو وقف الحرب؟
إن الشيعة اللبنانيين هم شهداء عقيدتهم وجغرافيتهم، فقد رفضوا التنازل عن مبادئهم ليصبحوا عملاء وأدوات لإسرائيل وامريكا، ورفضوا ان تتحوًل جغرافيتهم المتاخمة لفلسطين ، الى حزامٍ أمني لإسرائيل كما فعل غيرهم وأبقوها بوابةً لدعم القضية الفلسطينية منذ ثورة الشيخ عز الدين القسام وحتى يومنا هذا، مما وضعهم أمام خيارين أحلاهما مُرّ ودموي، ويؤديان الى خسائر استراتيجية ومرحلية فادحة، ويهدر تضحيات المقاومين على مدى سبعة عقود، وذلك على النحو التالي:
– الخيار الأول: أن يلتحق الشيعة اللبنانيون بالأنظمة والشعوب والأحزاب العربية والإسلامية، ويجنحوا للسلم وفق الشروط الإسرائيلية-الأمريكية ليبقوا في قراهم ومدنهم دون تهجير، وإما فعليهم الرحيل طوعاً أو بالقوة كما صرّح السفير الأميركي -حاكم لبنان الجديد- على منبر بكركي!
الخيار الثاني: أن يتمسّك الشيعة بمبادئهم ورفضهم للتطبيع والسلام الأمريكي_الإسرائيلي الذي يسلبهم حقوقهم، ويُعرّضهم لمصيرٍ مماثلٍ لما واجهته غزة والمقاومة الفلسطينية وهذا ما يعيشونه منذ ثلاث سنوات، وهو نهجٌ قد يستمرّ لتدمير الجغرافيا الشيعية على مراحل، فبعد تدمير 12 قرية في المرحلة الأولى عام 2024، تلتها المرحلة الثانية عام 2026 بتدمير 55 قرية ومدينة، وقد تتبعها مرحلة ثالثة تستهدف مناطق جديدة، طالما ظلّ الوقت متاحاً للعدو الإسرائيلي بغطاءٍ من الحكومة اللبنانية والإدارة الأمريكية. ومما يزيد الأمر تعقيداً -رغم عدم القصد- هو تحمّل الشيعة في لبنان عبء القتال وحدهم، رغم ما يسطّرونه من ملاحم بطولية، بعدما صمد بضعة آلاف من المقاومين بأسلحتهم الفردية أمام خمس فرق إسرائيلية لسبعين يوماً، ولا يزال المجتمع الشيعي المقاوم، بجناحيه (الصامد والمُبعَد)، ثابتاً يرفض الاستسلام أو الانقلاب على المقاومة.
إن الخيارات الصعبة التي يواجهها الشيعة في لبنان لا تترك لهم حلاً وسطاً بين الاستعباد، أو التهجير القسري، أو الاستشهاد، مما يدفعهم إلى خيار المواجهة والمقاومة مهما بلغت التضحيات فخسائر الخيارات الأخرى ستكون أكبر ويمكن تحسين فرص النجاح في خيار المقاومة من خلال الخطوات التالية:
– عدم ترك المقاومة اللبنانية وحيدة في الميدان كما هو الحال راهناً، حيث تقع على محور المقاومة مسؤولية إسنادها دون تأخير، ليس بوصفه واجباً لحفظ مصالحهم الاستراتيجية، فسقوطها سيقوّض أمن الجميع.
– دعوة القيادات الدينية والسياسية والفعاليات الشيعية إلى فتح نقاش جاد حول مصير الطائفة والتهديد الوجودي الذي تتعرّض له، وتجاوز حالة “المياومة السياسية” الراهنة التي أدت إلى استمرار “نزف الطائفة”؛ بهدف إدارة المعركة بفعالية على الأصعدة العسكرية والاجتماعية والاقتصادية كافة، بما يضمن صمود الطائفة لأطول فترة ممكنة، ويُمكّن المقاومة في حرب الاستنزاف من تحقيق مكاسب ميدانية تمنع انتصار الاحتلال.
– المبادرة إلى إعادة تقييم السلوك السياسي والتعامل مع الحكومة اللبنانية، إذ أثبتت الشراكة والمساكنة فيها عدم جدواها في تحقيق أي مكاسب للمقاومة أو حاضنتها الشعبية.
لا خيار أمامنا سوى المواجهة والصمود، بشرط إعتماد العقلانية والموضوعية، والالتزام بالواجبات والمسؤوليات وفق القدرات ، وحسن إدارة المعركة التي قد تمتد لسنوات، مما يستوجب حشد الطائفة بأكملها للدفاع عن وجودها، وإشراكها في اتخاذ القرار بعيداً عن التهميش أو فرض نظام “الوصاية على القاصرين”، لأن الطائفة بأكملها تدفع الأثمان ومن حقها المشاركة في صنع القرار لتحقيق الصمود وتأسيس المشروع الوطني المقاوم ،لعدم بقاء المقاومة محصورة في طائفة او مذهب_ رغما عنها_ ولا ينبغي حصر المسؤولية بالثنائية في إدرة الحرب ولا بطرف حزبي واحد، على مستوى القتال أو التعويضات.
معا لنكون ظهيراً للمقاومين في الميدان…


