هوامش على حادث “إعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته”

هوامش على حادث "إعتقال الرئيس الفنزويلي وزوجته"
يرى النص أن ما جرى في فنزويلا نتاج خلل تراكمي في النظام الدولي وتقصير دولي طويل، مع الإقرار بأخطاء داخلية فنزويلية، ويؤكد أن غياب التماسك والشرعية المؤسسية يجعل التدخل الخارجي نتيجة متوقعة لا استثناءً....

ينقسم العالم (رسمياً وشعبياً) حول ما جرى في فنزويلا، من حيث طبيعة الأسباب التي أنتجته، والظروف التي ساعدت عليه، وشرعيته ومقبوليته، وحجم ونوع النتائج والآثار التي ستترتب عليه، ومن المؤكد، ان هذه اللحظة ليست مناسبة للتحليلات العميقة والاستشرافات الاستراتيجية، ولكنها، تتحمل بعض الملاحظات على هامشها وهي الآتي:

– لقد سمحت الدول بمستويات مختلفة وبدرجات متفاوتة من المسؤولية، لتشكل عالم محكوم بهذا النوع من القواعد وهذه الصيغة من الترتيبات، ولم تصل أمريكا ترامب إلى ما وصلت إليه من هذا التغول والاستهتار والعنجهية إلا بفعل هذا التواطؤ الذي يمتد لقرون، وقد سبق لحظتنا الحاضرة، آلاف المقدمات التي كان (التقصير او التهاون او التخاذل او التخادم او الاطماع او الجهل او بعض منها او كلها مجتمعة)، هي السبب فيها، ولكل مسؤوليته.

في ذات سياق النقطة السابقة، كانت الاحداث والوقائع، فيما جاء بعد احداث 11 سبتمبر، هي الاكثر أثرا في خلق عالم امريكا ترامب الذي فعل كل ما شهدناه ونشهده هذه الايام.

وفي ذات السياق أيضا، ما لم يعود العالم الى نقطة البدايات وتشكل المقدمات، ويستدرك دوره بواقعية، ويتحمل كل مسؤولية تقصيره، فإننا أمام المزيد من أمثال حادثة الاعتقال.

مما لا شك فيه، ان منهج الحكم الخاطيء الذي سارت عليه فنزويلا، والديمقراطية الهشة، وحجم المظالم، والادارة غير الموفقة للموارد، كانت احد الاسباب الجوهرية التي وضعت البلاد في هذا التحدي، طبعا هذا لا يبرر بأي شكل من الاشكال الطريقة التي تعامل بها ترامب، لكنها حقائق ينبغي ان تقال.

ان ما يتردد من تنديد او استنكار او شجب، مهما كانت الجهة التي ورائه، لن يشكل فرقا حقيقيا في الحدث، فلن تتراجع امريكا عن فعلتها، ولن تسمح للاوضاع ان تعود لسابقها، ولن يستطيع احد ان يحاسبها على ما فعلت، بل سيتعامل الجميع مع الامر الواقع، كما هو الحال في الحوادث الاخرى.

ان رسالة ترامب المتعلقة بالحدث، تتجاوزه حدودا وموضوعا واهمية، ما جرى، إذ تريد ان تقول للجميع بمنتهى الصراحة الوقحة، يمكننا ان نفعل هذا مع الكثير (بطرق مختلفة)، إذا تطلب الامر.

لا يمكن فصل ما جرى عن اختلال توازن الردع داخل النظام الدولي. فالدول التي تفتقد التماسك الداخلي، وتدير أزماتها بمنطق رد الفعل، تتحول إلى ساحات اختبار لإرادات القوى الكبرى. إن سيادة الدولة لا تُصان بالشعارات، بل ببناء شرعية صلبة ومؤسسات قادرة على امتصاص الصدمات. وحين تغيب هذه العناصر، يصبح التدخل الخارجي نتيجة متوقعة لا استثناءً طارئاً.

ان هذه اللحظة هي الامتحان الاصعب للشعب الفنزويلي، وخاصة نخبه المخلصة، فإما ان ينزلقوا مع الحدث، ويشكلون مسار الدولة في إطار معطياته، او يتخذوا مسارا صحيحا، يتدارك الامور، ويجنب البلاد العواقب السيئة، وفي ذات الوقت، يحمي سيادة البلاد بقدر معقول.

اخيرا، اعتقد ان الدرس الفنزويلي حريا بالمذاكرة العميقة في كل دول العالم، بشكل يتيح معه، تصحيح الاخطاء، وتدارك النواقص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *