“رمشة” عين كورية!!

"رمشة" عين كورية!!
نهضة كوريا الجنوبية تحققت عبر تغيير السلوك الاجتماعي، وتقدير الوقت والعمل والانضباط، مما جعلها قوة عالمية رغم قلة الموارد، ويؤكد النص أن استثمار الزمن والالتزام بالنظام أساسا أي نهضة حقيقية تتجاوز الثروات الطبيعية...

يتحدث الكوريون الجنوبيون بفخر عن تجربتهم الرائدة في مجالات النهضة الصناعية والعمرانية والتكنولوجية والزراعية، تلك النهضة التي شهدتها بلادهم خلال ستة عقود فقط، لتحوِّل كوريا الجنوبية إلى واحدةٍ من أقوى الدول تأثيرًا في المشهد العالمي، في مسيرةٍ تُعد من أبرز قصص النجاح في العصر الحديث.

واللافت للنظر،  أن الكوريين، قبل نهضتهم، كانوا يشبهوننا في كثيرٍ من السلوكيات الاجتماعية، ومنها عدم الالتزام بالوقت!، وضعف الاهتمام بالنظافة العامة!، وانتشار الفساد الإداري!، والتشبّث بالوظيفة الحكومية بوصفها الغاية النهائية لكل شاب!، في ظل غياب الدور الفاعل للقطاع الخاص.

في المقابل، لم يكن عند الكوريين نفط مثل نفطنا، ولا اراض خصبة مثل اراضينا، ولا مياه وفيرة مثل مياهنا، ولا شعب غالبيته من الشباب مثل شعبنا،!! ولا عيونهم في طرفها حور  مثل عيوننا!! ورغم ذلك   استطاعوا  حرق الزمن  ليصلوا الى ما وصلوا الى في “رمشة عين” كما يقولون.

لم يكن الطريق سهلاً، بل كان مخاضًا عسيرًا بدأ بتغيير السلوك الاجتماعي، وبناء ثقافة جديدة تُعلي من شأن العمل والانضباط، ففي مجال الإدارة الحكومية، أُزيلت مظاهر الفساد والكسل، وفقا  لمبدأ “الأجر على قدر المشقة”، مما عزز روح المسؤولية وأحدث نقلة نوعية في الأداء المؤسسي.

أما في مجال البيئة، فقد رسخت الحكومة ثقافة النظافة العامة بأساليب مبتكرة، من بينها شراء النفايات وفرض الغرامات على المخالفين، حتى أصبحت النظافة جزءًا من الهوية الوطنية والثقافة العامة، واليوم، يُضرب المثل بانضباط الكوريين ونظافة مدنهم، حتى إنهم يجمعون أوراق الأشجار المتساقطة من الشوارع بعنايةٍ يومية.

ومع ترسيخ هذه القيم، انطلقت كوريا في تنفيذ خطط تنموية متكاملة ركزت على الإعمار والصناعة، والاستثمار في الإنسان والتعليم، بوصفه الركيزة الأساس للبناء، إضافةً إلى التخطيط الاقتصادي بعيد المدى، ما جعلها تنتقل من دولةٍ تعتمد على المساعدات إلى دولةٍ تعتمد على التصدير وصناعة المعرفة، لتصبح  “معجزة آسيا”.

وربّاط الحديث، أن الكوريين ليسوا أفضل منا في شيء، لكنهم أدركوا قيمة الزمن، فاستثمروه بحكمةٍ وانضباط، أمّا نحن، فلدينا ما هو أكثر من الثروات، ولكن ما نحتاجه اليوم هو أن نغيّر سلوكنا تجاه الوقت والعمل والنظافة العامة.

فمن غير المعقول أن ترى شخصًا أنيقًا يقود سيارة فارهة تُقدّر قيمتها باكثر من 100 الف دولار ويرتدي بدلة قيمتها 1000 دولار!!، يفتح نافذته ليرمي القمامة في الشارع، ثم يشتم موظف البلدية بسبب تراكم النفايات!!

إن الالتزام بالوقت واحترام النظام العام ليسا مجرد سلوكيات فردية، بل أساسٌ لأي مشروعٍ نهضوي، فاستثمار الزمن هو مفتاح التقدّم، والانضباط هو الطريق الأقصر نحو التغيير الشامل لواقع الحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *