إسرائيل ترث أميركا

إسرائيل ترث أميركا
تحوّلت إسرائيل من أداة أميركية إلى وريثٍ للهيمنة في الشرق الأوسط، مستفيدة من انكفاء واشنطن وانشغالها بأزماتها، فيما تحاول إيران عبر محور المقاومة والدبلوماسية منع ولادة استعمارٍ جديد بغطاءٍ أميركي وتفوّضٍ إسرائيليٍ معلن....

منذ أكثر من سبعة عقود ونحن نسمع أن إسرائيل مجرد أداة أميركية في الشرق الأوسط، لكن السنوات الثلاث الأخيرة أسقطت هذه الرواية المكررة، إسرائيل لم تعد الأداة، بل تحولت إلى الوكيل الرسمي وربما الوريث الشرعي للهيمنة الأميركية في المنطقة.

حين سقط نظام صدام الطاغي، فرح العراقيون بالخلاص من الاستبداد، لكنهم صُدموا بجرائم التحالف الدولي ، وبالدمار الذي ضرب البنية التحتية والأمن والكرامة، والآن بعد ربع قرن من الحرب على الإرهاب يتكرر المشهد بوجه آخر: هذه المرة عبر إسرائيل التي تضرب في كل مكان ودون حساب أو مساءلة وكأن المنطقة أرض سائبة.

منذ 7 أكتوبر، مروراً بحرب الـ12 يوم، وصولاً إلى القصف الإسرائيلي في قطر، الدولة التي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية… لم نسمع تبريراً ولا موقفاً واضحاً من واشنطن! كيف نفسر هذا الصمت؟ ببساطة لأن إسرائيل لم تعد بحاجة إلى إذن، أميركا تراجعت خطوة وسلمت لإسرائيل دور “الابن العاق” الذي يضرب حتى في بيت أبيه ويخرج بابتسامة وغطاء سياسي دولي.

المفارقة أن قطر التي تُقدَّم دائماً كوسيط، تعيش سيادة معلقة تحت الحماية الأميركية، ورغم ذلك قُصفت على أرضها قيادة حركة حماس، إذا كانت هذه “الدولة المحمية” عاجزة عن ردع إسرائيل فكيف ببقية دول المنطقة؟

لكن هنا يبرز لاعب آخر لا يمكن تجاهله، إيران كقوة إقليمية تنظر إلى هذا التحول كتهديد مباشر لأمنها القومي ولمعادلة الردع التي بنتها عبر دعمها محور المقاومة، إيران تتحرك ببراغماتية: تارة بالتصعيد عبر حلفائها في لبنان والعراق واليمن وتارة بالدبلوماسية في المفاوضات مع القوى الكبرى، وحضورها اليوم ليس خياراً، بل ضرورة لمعادلة ميزان القوة لأن ترك الساحة لإسرائيل وحدها يعني تسليم المنطقة لاحتلال جديد بغطاء قانوني–أميركي.

إسرائيل اليوم تختبر حدود قوتها، وواشنطن مثقلة بأوكرانيا والصين وأزماتها الداخلية فلم تعد قادرة على إدارة الشرق الأوسط كما في السابق، النتيجة: إسرائيل تتحرك كأنها صاحبة التفويض الجديد، فيما العرب والإقليم يعيشون حالة ترقب وخوف، وإيران تتحسس لحظة الحقيقة: إما تثبيت حضورها كقوة موازنة، أو مواجهة شرق أوسط تُديره تل أبيب.

الخطر الأكبر أن ما نشهده ليس مجرد تجاوزات متفرقة بل بروفة لمرحلة أخطر: أميركا تمهد لخروج تدريجي وتترك لإسرائيل مفاتيح المنطقة. وهذا يعني أننا أمام استعمار جديد، أكثر وقاحة من السابق، لأنه يأتي بغطاء “شرعية أميركية” وبتواطؤ دولي معلن.

إسرائيل ليست ابنة مدللة ولا عاقة بل مشروع احتلال مكتمل الأركان، لكن وجود إيران كقوة إقليمية ومعها إرادة الشعوب، قد يكون العقبة الأخيرة أمام إعلان الوراثة رسمياً، فهل نصحو قبل أن نصبح شهوداً على ميلاد الإمبراطورية الإسرائيلية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *