أثار الإعلان عن هجوم إسرائيلي فاشل استهدف مكتب خليل الحية، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، في الدوحة، عاصفة من التساؤلات حول مغزى العملية ودلالاتها. فالهجوم، رغم إخفاقه، حمل في طياته رسائل تتجاوز مجرد محاولة اغتيال قيادي بارز في حماس، لتمتد إلى بنية الأمن الإقليمي ومكانة قطر والخليج في المعادلة الجيوسياسية العالمية.
لقد شكلت الدوحة في السنوات الأخيرة نقطة ارتكاز رئيسية في التفاعلات المرتبطة بالقضية الفلسطينية، حيث جمعت بين دعمها الإنساني والسياسي لحماس وبين لعبها دور الوسيط النشط في التهدئة بين الحركة وإسرائيل. لكن هذا التوازن الذي حرصت قطر على إدارته باحترافية، تعرض اليوم لاختبار غير مسبوق مع استهداف مباشر على أراضيها.
قطر في قلب الجغرافيا السياسية… لا يمكن قراءة العملية بمعزل عن الموقع الاستراتيجي لقطر كجزء من الخليج العربي. فالدوحة، رغم صغر مساحتها الجغرافية، تحولت إلى لاعب إقليمي محوري بفضل ثروتها الغازية الهائلة، وتحالفها الأمني مع الولايات المتحدة من خلال قاعدة “العديد”، إضافة إلى دورها كوسيط في ملفات حساسة من أفغانستان إلى غزة.
استهداف قطر يعني عملياً توجيه ضربة رمزية إلى قلب النظام الأمني الخليجي. فإسرائيل، التي راكمت علاقاتها مع بعض الدول الخليجية في إطار “اتفاقيات أبراهام”، أرسلت من خلال هذا الهجوم إشارة مفادها أنها باتت ترى نفسها قادرة على العمل عسكرياً حتى في مناطق محمية بالتحالفات الغربية.
إسرائيل والبحث عن “السيطرة الجوية الإقليمية”… الكاتب والمحلل السياسي الإيراني صابر غل عنبري يرى أن العملية تكشف عن بعد أعمق من مجرد تصفية حسابات مع حماس. فإسرائيل، بحسب تحليله، تسعى إلى فرض مفهوم “إسرائيل الكبيرة” بمعناه الأمني والعسكري، أي ترسيخ هيمنة جوية تتيح لها التدخل المباشر في أجواء دول المنطقة من دون قيود.
هذه القراءة تعكس طموح تل أبيب في الانتقال من مجرد دولة ذات قوة ردع إقليمية إلى سلطة أمنية عابرة للحدود، تفرض قراراتها على الجوار، وتكسر احتكار واشنطن للتحكم في موازين المنطقة. وفي هذا السياق، يصبح الهجوم على قطر رسالة مزدوجة: أولاً إلى حماس بأن لا ملاذ آمناً لها، وثانياً إلى دول الخليج بأن السيادة الجوية لم تعد حصراً بيدهم أو بيد الحليف الأميركي.
ترامب والبعد الأميركي… من زاوية أخرى، يربط غل عنبري بين العملية وموافقة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، معتبراً أنها تمثل انقلاباً على سياسات واشنطن التقليدية تجاه حلفائها الخليجيين. فبدلاً من الالتزام بحماية أمن قطر كجزء من منظومة الأمن الأميركي في الخليج، سمح ترامب ـ بحسب هذا التحليل ـ لإسرائيل بتجاوز تلك الحدود.
ويضيف أن الأمر يعكس غضب ترامب من رفض حماس لخططه السياسية، خاصة ما عُرف بـ”صفقة القرن”، وأن السماح لإسرائيل بالتصعيد داخل قطر جاء كنوع من العقاب غير المباشر وإعادة رسم لقواعد اللعبة. وهنا تظهر خطورة البعد الأميركي: فإذا تحولت واشنطن إلى شريك في تهديد أمن حلفائها، فإن الثقة بمنظومة التحالف الغربي ستتصدع على المدى الطويل.
تداعيات على الوساطة القطرية… إحدى النتائج المباشرة للهجوم، وفق التقديرات، هي توقف أو على الأقل تراجع جهود الوساطة القطرية بين حماس وإسرائيل. فالدوحة التي بنت لنفسها سمعة دولية كوسيط محايد، تجد نفسها اليوم طرفاً مستهدفاً. وهذا سيجعل قدرتها على جمع الأطراف على طاولة الحوار موضع شك.
بل أكثر من ذلك، قد يؤدي استهداف مكتب حماس في الدوحة إلى إعادة صياغة علاقة الحركة بقطر نفسها. فهل ستظل الأخيرة قادرة على احتضان قياداتها في ظل ضغوط أمنية وسياسية متزايدة؟ أم أن حماس ستبحث عن بدائل إقليمية مثل تركيا أو إيران لتأمين وجودها السياسي؟.
الخليج بين واشنطن وتل أبيب… تتجاوز أبعاد العملية حدود قطر لتطال الخليج كله. فإسرائيل، التي بنت علاقات أمنية مع الإمارات والبحرين، وجدت في هذه الدول بوابة لتوسيع نفوذها في المنطقة. غير أن استهداف الدوحة قد يعيد طرح السؤال الأهم: هل باتت إسرائيل لاعباً أمنياً منافساً لواشنطن في الخليج؟.
هذا الاحتمال يثير قلقاً بالغاً لدى بعض العواصم الخليجية التي ترى في الولايات المتحدة الضامن الأساسي لأمنها. فإذا أصبحت إسرائيل قادرة على التدخل منفردة، فإن ذلك يعني عملياً تقليص هامش المناورة للدول الخليجية بين القوى الكبرى.
نحو تعددية قطبية في الخليج؟… المدى البعيد للهجوم يفتح الباب أمام تحولات أعمق. فمع تراجع الثقة في واشنطن وتزايد جرأة إسرائيل، قد تجد دول الخليج نفسها مضطرة لتعزيز علاقاتها مع قوى كبرى أخرى مثل روسيا والصين. وهذا يتماشى مع اتجاه دول عدة في المنطقة لاعتماد سياسة “تنويع الشركاء” بدلاً من الارتهان لطرف واحد.
عودة “الواقعية الصلبة” إلى العلاقات الدولية، كما يشير التحليل، تعني أن الدول ستعيد حساباتها بناءً على موازين القوة الفعلية لا على التحالفات التقليدية. وفي هذا السياق، يصبح من المنطقي أن تبحث قطر والسعودية والإمارات عن شركاء جدد قادرين على موازنة النفوذ الأميركي والإسرائيلي معاً.
رسائل إلى الداخل الإسرائيلي… لا ينبغي إغفال البعد الداخلي الإسرائيلي. فالهجوم جاء في سياق أزمة سياسية متفاقمة تعيشها حكومة تل أبيب. وتاريخياً، اعتادت إسرائيل استخدام عمليات نوعية خارجية لصرف الأنظار عن أزماتها الداخلية أو لإعادة تعزيز صورة الردع. ومن هنا، قد يكون استهداف الدوحة محاولة لإظهار أن إسرائيل لا تزال قادرة على الوصول إلى خصومها أينما كانوا، حتى في دول حليفة لواشنطن.
الهجوم الإسرائيلي الفاشل في قطر لم يكن مجرد عملية أمنية عابرة، بل كان حدثاً سياسياً مفصلياً يختزل ملامح مرحلة جديدة في الشرق الأوسط. مرحلة تتسم بجرأة إسرائيلية غير مسبوقة، وتراجع في مظلة الحماية الأميركية، وصعود محتمل لأدوار بديلة لروسيا والصين.
قطر، التي وجدت نفسها فجأة في قلب هذه المعادلة، أمام تحدٍ استراتيجي، هل تواصل دورها كوسيط إقليمي رغم الاستهداف المباشر؟ أم أنها ستعيد ترتيب أولوياتها بما يحافظ على أمنها أولاً؟ في كل الأحوال، ما بعد الهجوم على الدوحة لن يكون كما قبله.


