عندما استقبل رئيس تحالف “عزم”، مثنى السامرائي، وفدًا إيرانيًا رفيع المستوى، لم يكن الخبر مجرد لقاء دبلوماسي عابر. بالنسبة للمراقبين العارفين بتعقيدات المشهد السياسي العراقي، كانت هذه الزيارة رسالة واضحة ودقيقة، لا تقل أهمية عن أي بيان رسمي. إنها تشير إلى تحول استراتيجي في إدارة النفوذ الإيراني، يتجاوز البروتوكول إلى الدوافع الأعمق، وهو ما يضعنا أمام دراسة تحليلية لأهداف تلك الزيارة وما تنذر به من تحولات.
تحول استراتيجي من الولاء العقائدي إلى المصلحة الاستراتيجية
من المنطقي أن يتساءل المرء عن مغزى لقاء وفد رفيع المستوى بشخصية لا تشغل منصبًا سياديًا. الإجابة تكمن في أن الولاء الأيديولوجي الذي اعتادت عليه إيران من بعض القوى لم يعد كافيًا أو مضمونًا. لقد أثبتت هذه القيادات، وإن كانت براغماتية في علاقاتها، أنها قد تميل أيضًا إلى محاور إقليمية أخرى. وهذا يختلف عن الولاء الأيديولوجي الأكثر ثباتًا الذي تتبناه فصائل أخرى. لذلك، فإن الاستراتيجية الجديدة ترتكز على المصالح الاستراتيجية بدلاً من الولاءات العقائدية، مما يتيح لإيران مرونة أكبر في التعامل مع الأطراف المختلفة.
إعادة هندسة خارطة النار السني عبر استغلال الصراعات الداخلية
إن زيارة السامرائي ليست سوى جزء من مشروع أكبر يهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق في الساحة السنية. إنها محاولة لإزاحة القيادات التي لم تعد تخدم المصالح المطلوبة، وإبراز نجوم جديدة يمكن التحكم في ولائها. هذا المشروع يتجاوز الزيارات البروتوكولية إلى العمل الميداني، كما شهدنا في تحركات بعض الفصائل المسلحة في مناطق مثل صلاح الدين والأنبار، والتي تهدف إلى تهيئة الأرض لاستقبال قيادات سياسية جديدة.
الصراع بين محمد الحلبوسي ومثنى السامرائي، على سبيل المثال، لم يكن مصطنعاً، بل كان صراعاً حقيقياً على النفوذ. ولكن إيران لم تكن محايدة، بل استغلت هذا الصراع لتعزيز نفوذها. فبدلاً من الرهان على زعيم سني واحد قد يغير ولاءه، اتجهت إلى تمكين الأطراف المتنافسة لضمان بقاء النفوذ بيدها، بغض النظر عن هوية الفائز.
تغيير مركز الثقل من الأنبار إلى صلاح الدين
إن جوهر هذا المشروع هو إفراغ محافظة الأنبار من محتواها. فالأنبار بطبيعتها الجغرافية والعشائرية القوية عصية على الاختراق المباشر. لذا، فإن الهدف ليس فقط إزالة القيادات القديمة، بل منع ظهور أي قيادة مستقلة تعمل لصالح المحافظة. هذا يتم من خلال استراتيجية مزدوجة: تقسيم الولاءات في المحافظة بين محورين، أحدهما يمثله قيادات يتم استقطابها من محور صلاح الدين، والآخر يمثله تيارات سياسية من محور النجف. هذا يضمن أن النفوذ الذي كان متركزاً في الأنبار، أصبح الآن موزعاً ومتحكماً به من قبل جهة واحدة.
وهذا يقودنا إلى الاستنتاج الأعمق: هذا المشروع ليس مجرد صراع على النفوذ المحلي، بل هو مشروع استراتيجي إقليمي. بعد سقوط نظام بشار الأسد، قد تكون إيران قد خسرت ورقة ضغط ثمينة في سوريا. ولهذا، فإن تأمين السيطرة على محافظة الأنبار، وتأمين حدودها مع سوريا، يمنح إيران حائط صد جديدًا ونقطة ارتكاز بديلة لضمان استمرارية نفوذها في المنطقة، وتكون ورقة مساومة في أي مفاوضات أو صراعات مستقبلية.
خلاصة: خارطة سياسية جديدة للعراق
في المحصلة، فإن هذه الزيارة لا تمثل حدثاً فردياً، بل هي جزء من خارطة سياسية جديدة يتم رسمها في العراق. هذه الخارطة تستغل ضعف المكونات السياسية وتقاطعات المصالح بين قياداتها، وتتجاوز الولاءات الأيديولوجية لتركز على المصالح الاستراتيجية. وهذا ما يفسر أيضاً انقسام إقليم كردستان إلى نصفين، أحدهما موالٍ لإيران والآخر يتبع سياسات مختلفة.
في هذه الخارطة الجديدة، يصبح القرار العراقي ظاهريًا “مشتركًا” و”مستقلاً”، ولكنه في الحقيقة أصبح أكثر تبعية للنفوذ الإيراني، الذي ترسخ بشكل أعمق من خلال إدارته للمصالح بدلاً من فرضه للأيديولوجيا.


