شرعية الضربة الإسرائيلية لإيران بين القانون الدولي ومنطق البقاء

شرعية الضربة الإسرائيلية لإيران بين القانون الدولي ومنطق البقاء
يخلص التحليل إلى أن الضربة الإسرائيلية تفتقر للشرعية: الدفاع الوقائي مرفوض، والاستباقي يشترط دلائل علنية على هجوم وشيك، وهو ما لم تُقدّمه إسرائيل. واقعياً، يبقى هاجس نقل القدرة النووية والتهديدات اللامتناظرة معضلة تتجاوز نصوص القانون....

في هذا المقال، أناقش شرعية الهجوم الإسرائيلي على إيران من زاوية القانون الدولي، ثم أنتقل إلى تحليل واقعي يتجاوز النصوص إلى منطق البقاء والخوف المتبادل.

لكن قبل أن نبدأ، عليك أن تدرك عزيزي القارئ أن ما ستقرأه يتطلب تركيزاً عالياً، فالمسألة متشابكة، تتداخل فيها المصطلحات القانونية مع الحسابات الاستراتيجية، وإن لم تمسك بالخيط من أوله، ستتيه في التفاصيل.

لذا، سأبدأ معك من الأساس، وأشرح بعض المفاهيم الجوهرية.

أولًا، هناك مفهوم يُعرف بـ”الدفاع الوقائي” أو Preventive self-defense، ويُقصد به استخدام القوة ضد تهديد بعيد، غير وشيك، أو افتراضي. مثلًا، غزو العراق عام 2003 بذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل، كان نموذجاً صارخاً لهذا النوع من التدخل.

القانون الدولي يرفض هذا النوع من الدفاع، لأنه يفتح الباب أمام دول العالم كي تضرب من تشاء، متى ما تخيلت تهديداً قادماً.

ثانياً، “الدفاع الاستباقي” أو Preemptive self-defense، وهو استخدام القوة لصد هجوم وشيك، متوقع الحدوث خلال وقت قريب. الضربة الإسرائيلية الأخيرة على إيران تندرج ضمن هذا السياق. هذا النوع من الدفاع مرفوض أيضاً بشكل عام، لكن القانون الدولي يتسامح معه بشروط صارمة، أهمها وجود دليل حاسم وعلني يثبت أن الهجوم على وشك الوقوع.

إسرائيل، في خطاباتها تدّعي أنها تصرفت ضمن اطار الدفاع الاستباقي، وتقول إنها تواجه تهديداً وجودياً من دولة تسعى لامتلاك السلاح النووي وتعلن عداءها لها صراحة.

لكن هنا تظهر المعضلة: إسرائيل لم تقدّم أي دليل علني على قرب هذا الهجوم، واكتفت بالقول إنها تملك معلومات استخباراتية تؤكد الخطر.لكن القانون الدولي لا يُمنح شرعية بهذه الطريقة، إذ لا يكفي أن تقول الدولة إنها تملك معلومات سرية. فلو فُتح هذا الباب، لادعت أي دولة ما تشاء، وهاجمت من تشاء، ثم بررت ذلك بالقول: “نحن نعلم ما لا تعلمون”.

لذلك، وبالمعيار القانوني المحض، يُعد الهجوم الإسرائيلي غير شرعي.

لكن إذا تجاوزنا القانون الدولي، ونظرنا إلى الواقع كما هو، سنجد أنفسنا أمام حالة معقّدة واستثنائية لا تشبه غيرها. الصراع بين إسرائيل وإيران ليس مجرد نزاع بين دولتين قوميتين، بل هو مركّب من طبقات متشابكة: صراع عربي-إسرائيلي، صراع ديني يهودي-إسلامي، صراع بين دولة مركزية وميليشيات عقائدية عابرة للحدود.

وحين تكون أدوات الحرب غير تقليدية، يصبح القانون الدولي قاصراً عن احتواء الموقف.

مثلاً اذا نظرنا الى الخطاب الإيراني الرسمي: سنجد تصريحات متكررة من قادة الحرس الثوري والمرشد الأعلى عن “محو إسرائيل من الوجود”. قد لا تكون هذه الكلمات إعلان حرب قانونية، لكنها تُنتج مناخاً من الخوف، وتؤسس لذهنية ترى في العدو خطراً دائماً، حتى إن لم يطلق النار.

وفوق ذلك، هناك كابوس يطارد إسرائيل: النقل النووي. أي أن إيران، حال امتلاكها السلاح النووي، قد تنقل هذه القدرة إلى فصائل مثل حزب الله أو غيره من الجماعات العقائدية. وهنا تنكسر قواعد الردع النووي التي عرفها العالم منذ الحرب الباردة.

في حالة أمريكا والاتحاد السوفيتي، كان الردع يقوم على افتراضات واضحة مفادها ان كل طرف عقلاني، لا يريد الفناء، ويخاف من ضربة انتقامية مدمرة.

لكن في حالة الجماعات العقائدية يسقط هذا المنطق بالكامل، فهذه الجماعات لا يهمها الفناء ولا تهتم بتبعات قرارها والدليل ما فعلته حماس في السابع من اكتوبر.

لذلك، من منظور أمني واقعي، يبدو القلق الإسرائيلي مفهوماً. ومن هنا يأتي تفكيرها في ما يُعرف بـ”الضربة ضد القدرة”، أي تدمير البرنامج قبل أن يكتمل، دون انتظار نية أو فعل. لكن هذه الضربة تعيدنا إلى المأزق الأول: إذا تحركت إسرائيل مبكراً، تُتهم بالعدوان. وإذا انتظرت حتى يكتمل الخطر، قد يكون الأوان قد فات.

في النهاية، يُظهر هذا كله مأزق القانون الدولي عندما يُواجه تهديدات وجودية غير متماثلة، تهديدات لا تأتي من جيوش نظامية، بل من ظلال، ومن أفكار، ومن جماعات لا ترى في الموت نهاية، بل بداية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *