منذ اللحظة الأولى لوجود الإنسان، لم يتوقف ذلك الصراع العميق بين العقل والجهل، بين النور والظلمة، بين السمو والانحدار. لقد خُلق الإنسان وجُبل على غرائز مختلفة، بعضها يجذبه نحو خصال الحيوان، حيث تسود الأنانية والفوضى والانفعالات الغريزية، وأخرى ترتقي به إلى مدارج الكمال، حيث يشترك بصفات الملائكة، فيضبط دوافعه، ويهذّب رغباته، ويتسق مع ما أراده له خالقه من مكانة في هذا الوجود.
هذا الصراع لا يُحسم في لحظة، ولا يثبت على حال، بل يخضع لتقلبات الوعي، ولطبيعة التربية، وللبيئة الاجتماعية والنفسية التي تحيط بالإنسان. والعجيب في الأمر، أن هذه الجدلية تظهر بوضوح حين نقف عند تجارب بشرية واقعية، لا سيما حين نقرأ في سلوك بعض الشعوب في محطات فاصلة من الزمن.
ولعل المثال الأقرب إلى وجداني، هو ما أراه في الشعب العراقي، وأنا الذي أنحدر من هذا البلد العريق، وأتنقل كثيرًا بين بلدان ومجتمعات متعددة بحكم السفر والعمل والاحتكاك. رأيت شعوبًا متقدمة في العلم، راقية في النظام، لكنها تفتقد أحيانًا إلى تلك الحرارة الوجدانية، أو البعد الروحي العميق الذي يصوغ سلوكًا غير مبرر بالعقل وحده.
وعندما أعود بنظري إلى الشعب العراقي، وخصوصًا في مواسم المناسبات الدينية، أجد نفسي أمام مشهد مختلف تمامًا، يصعب تفسيره إلا بلغة الروح.
هذا الشعب يرتبط وجدانيًا وروحيًا بشخصية عظيمة واستثنائية في التاريخ: الإمام الحسين بن علي ( ع)، سبط النبي الأكرم محمد (ص )، ابن الزهراء البتول التي قال فيها رسول الله: «فاطمة بضعة مني، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله»، وهو حديث متواتر ومتّفق عليه.
لكن ما يثير التأمل حقًا، هو ما يحدث في زيارة الأربعين. ففي تلك الأيام، يتحول العراقي – لا سيما في مدن الوسط والجنوب – من كائن بشري يعيش همومه اليومية، إلى كائن “ملكوتي”، كما أحب أن أصفه. تتغير ملامحه النفسية، وتختلف أولوياته، وينصهر في تجربة لا تُشبه أي تجربة أخرى.
إنه يعيش الإيثار لا كشعار، بل كفعل يومي. يضع ماله وجهده وراحته في خدمة الآخر دون انتظار مقابل، يفتح قلبه وبيته وزاده لملايين الزوار، وقد لا يعرفهم ولا يعرفونه. لا يسأل عن الطائفة أو اللغة أو اللون، بل عن “هل أنت زائر الحسين؟”.
هذه الأيام ليست مجرد طقس ديني، بل هي ما يشبه “مصحة روحية” شاملة. إنها فترة نقاهة من الضغائن، من الأنانية، من الجهل، من الانغلاق على الذات. هي لحظة علاج يتخلل الروح والعقل والجسد معًا. وكأن زيارة الأربعين اختبار فريد، يضع الإنسان أمام مرآة ذاته، ليعيد اكتشاف نفسه من جديد: كم فيه من نور؟ وكم فيه من ظلمة؟ إلى أي مدى يمكنه أن يضحي من أجل قيم لا يراها إلا ببصيرته؟
فلسفة خدمة الزائر في الأربعين هي فلسفة إنسانية – أخلاقية – وجودية بامتياز. لا ترتبط فقط بالحب الحسيني، بل تعكس نمطًا من التربية الروحية التي تشكلت عبر قرون من الإلهام والتضحيات، حيث يتجلى النموذج في الإمام الحسين كرمز للوعي، والعدل، والحرية، والكرامة.
وبعد انتهاء الأربعين، يعود الإنسان إلى حياته اليومية، لكنه يعود مختلفًا. يعود وقد جُرّب في ذاته، وعرف أن في داخله طاقة هائلة للتسامح والعطاء والانضباط. يعود وقد وضع نقاط الاتفاق والاختلاف بين ما كان عليه، وما أراد الحسين أن يكون عليه.
وهنا بالضبط، يعود بنا الحديث إلى أصل الفكرة: الصراع بين العقل والجهل. ففي هذه التجربة، ينتصر العقل النقي، وتُهزم الجهالة. ويسمو الإنسان، ولو لأيام، فوق واقعه المثقل بالمآسي، ليقترب من الصورة التي أرادها الله له.


