إن التنبؤ بنتائج الانتخابات النيابية العراقية لعام 2025 يتطلب رؤية متعمقة تتجاوز التحليلات الرقمية السطحية والاعتماد على البيانات التاريخية وحدها. المشهد العراقي هو نسيج معقد من الديناميكيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإقليمية والدولية المتداخلة، والتي تُشكل سلوك الناخبين وتُعيد رسم خارطة القوى. هذا البحث يقدم تحليلاً شاملاً للعوامل الجوهرية التي نعتقد أنها ستُحدد مسار هذه الانتخابات، يليه صياغة لسيناريوهات محتملة لنتائجها.
1. نبض الشارع العراقي: إحباط متراكم وتطلعات للتغيير
يعيش الشارع العراقي حالة من الإحباط العميق واليأس من الطبقة السياسية الحاكمة منذ عام 2003. هذا الشعور نابع من تدهور الخدمات الأساسية (كهرباء، مياه، بنى تحتية)، الفساد المستشري الذي يُنظر إليه كعائق رئيسي أمام أي تقدم، وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب. المطالب الشعبية الأساسية تتمحور حول تحسين الواقع المعيشي ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية. هذا الإحباط قد يدفع جزءًا كبيرًا من الناخبين إلى المقاطعة، أو البحث عن وجوه جديدة خارج الإطار التقليدي، أو دعم القوى التي تتبنى خطابًا إصلاحيًا جذريًا.
2. دعوات الإصلاح الداخلي الجذري ومصير العملية الانتخابية
تتعالى الأصوات، خاصة من قوى مثل “تجمع أهل العراق” وبعض الأحزاب الناشئة، للمطالبة بـإصلاحات هيكلية في النظام السياسي والانتخابي. من أبرز هذه الدعوات مقترح جعل العراق دائرة انتخابية واحدة لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، بهدف كسر نظام المحاصصة الطائفية وتعزيز دولة المواطنة ونقل سلطة الاختيار إلى الشعب مباشرة. تضاف إلى ذلك دعوات لتفعيل قانون الأحزاب لضمان الشفافية، وفرض مراقبة دولية شاملة لضمان نزاهة الانتخابات. استمرار الجمود السياسي في التعامل مع هذه المطالب قد يؤدي إلى تأجيل الانتخابات أو فقدانها للمصداقية، مما يجعل أي توقعات قائمة على النظام الحالي غير ذات جدوى.
3. المتغيرات الإقليمية ومحيط العراق الجيوسياسي
يقع العراق في قلب منطقة مضطربة، وتؤثر عليه بشدة التوترات الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، بالإضافة إلى التحولات في سوريا ولبنان. هذه الصراعات تُعيد تشكيل محاور النفوذ وتؤثر على الاستقطاب الداخلي في العراق. كما أن التوجه الخليجي الجديد نحو الانفتاح الإقليمي، رغم أنه قد يفتح آفاقاً اقتصادية، فإنه يحمل دلالات حول محاولات إعادة ترتيب الأوراق وقد يؤثر على دعم بعض الكتل العراقية. عدم دعوة العراق لقمة الرياض 2017 وحضور الرئيس دونالد ترامب، وكذلك غياب القادة الخليجيين عن القمة العربية في بغداد، يعكسان تحفظات إقليمية على دور العراق أو على نفوذ بعض القوى فيه، ويسلطان الضوء على التدخل الإيراني الملحوظ الذي تُعاب عليه بعض الأطراف الإقليمية والدولية.
4. الدلالات الأمريكية وتأثيرها على السياسة والاقتصاد
الموقف الأمريكي يحمل دلالات عميقة للمشهد العراقي. غياب السفير الأمريكي في بغداد وتعيين قائم بالأعمال قد يشير إلى تراجع أولوية العراق، أو قلق بشأن استقراره. ضغوط الكونغرس الأمريكي لإجراء “تغيير جذري” في العراق، وتركيزه على قضايا الفساد، يمكن أن تؤثر على الدعم والمساعدات وتُجبر الطبقة السياسية على تقديم وعود بالإصلاح. علاوة على ذلك، فإن مطالب الولايات المتحدة بتغيير جذري في النظام المصرفي العراقي (بهدف مكافحة غسيل الأموال وتدفق الدولار)، وقبول الحكومة العراقية لهذه التغييرات، يمثل تدخلاً عميقاً في الشأن الاقتصادي قد يؤثر على السيادة المالية والمزاج العام، ويكون ورقة انتخابية تستغلها الأطراف المختلفة.
5. دور المرجعيات الدينية وتأثير التدخلات الخارجية
للمرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، بقيادة آية الله العظمى السيد علي السيستاني، دور محوري في توجيه العملية السياسية وحماية السلم الأهلي. أي دعوة منها للإصلاحات الجذرية التي يريدها الشعب، أو حتى موقف غير مباشر من المشاركة، يمكن أن يقلب موازين القوى ويحدد مصداقية الانتخابات. في المقابل، فإن دعوات بعض المرجعيات الأخرى إلى عدم المشاركة بالانتخابات، إلى جانب التصريح الأخير للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي حول الانتخابات العراقية، يُعد تدخلاً سافراً يزيد من تعقيد المشهد. هذا التدخل يُرسل رسائل مباشرة للكتل المقربة من إيران ويؤجج الخطاب المضاد للتدخلات الخارجية، مما يؤثر على ولاءات الناخبين.
6. الرواية الإعلامية: “وجوه جديدة لنفس الآباء”
تنتشر في الأوساط الإعلامية والشعبية رواية مفادها أن القوانين الانتخابية الحالية، حتى مع التعديلات، لن تفضي إلا إلى “ولادة وجوه جديدة لنفس الآباء الموجودين في الحكم منذ عام 2003″. هذه الرواية تُعمق من اليأس العام والتشكك في جدوى العملية الانتخابية كأداة للتغيير، وتُعزز من فكرة أن النتيجة محسومة سلفًا. هذا الشعور قد يؤدي إلى انخفاض تاريخي في نسبة المشاركة، مما يضعف من شرعية البرلمان المنتخب ويغير تمامًا حسابات القاسم الانتخابي وتوزيع المقاعد.
7. تضافر دعوات المقاطعة والجمود السياسي
إن تضافر دعوات المقاطعة من كيانات وازنة كالتيار الصدري، قوى تشرين، وبعض الأحزاب الناشئة والمعارضة، بالإضافة إلى بعض المرجعيات، يخلق جبهة مقاطعة واسعة وقوية. في ظل غياب أي تغيير حقيقي من الكتل السياسية الحاكمة أو موقف حاسم من المرجعية يضمن إصلاحات جوهرية، فإن هذا الجمود السياسي سيعمق من قناعة الناخبين بعدم جدوى التصويت، ويصب في صالح المقاطعة، مما يُعيد رسم ملامح العملية الانتخابية بشكل غير متوقع.
سيناريوهات محتملة لنتائج الانتخابات النيابية العراقية 2025
بناءً على التحليل الشامل للعوامل المذكورة أعلاه، نستعرض فيما يلي ثلاثة سيناريوهات محتملة لنتائج الانتخابات النيابية المقبلة، مع الأخذ في الاعتبار أن كل سيناريو يمثل تفاعلاً معيناً لهذه العوامل:
السيناريو الأول: “المقاطعة الشاملة وشرعية متأزمة” (السيناريو الأكثر ترجيحاً في ظل الظروف الراهنة)
الفرضيات:
* استمرار الجمود السياسي: لا يتم تمرير إصلاحات جوهرية في قانون الانتخابات (مثل الدائرة الواحدة لرئيسي الجمهورية والوزراء)، ولا تُظهر الكتل السياسية الحاكمة أي استجابة حقيقية لمطالب الشعب بمكافحة الفساد وتقديم الخدمات.
* تضافر دعوات المقاطعة: يستمر التيار الصدري في مقاطعة الانتخابات، وتتحد معه قوى تشرين والأحزاب الناشئة وبعض المرجعيات الدينية الأخرى في دعوات صريحة لعدم المشاركة، مدعومة بالرواية الإعلامية السائدة بأن الانتخابات لن تُفضي إلا إلى “وجوه جديدة لنفس الآباء”.
* عدم تدخل حاسم من المرجعية العليا: تظل المرجعية العليا في النجف على موقفها بعدم التدخل المباشر في تفاصيل العملية الانتخابية، أو لا تصدر توجيهات حاسمة تضمن الإصلاحات الجذرية أو تحث على المشاركة بقوة.
* استمرار الضغوط الخارجية دون تغيير جوهري في الداخل: تستمر الضغوط الأمريكية والإقليمية (بشأن النظام المصرفي والتدخل الإيراني)، لكنها لا تُترجم إلى إصلاحات داخلية ملموسة تكسر جمود القوى المهيمنة.
النتائج المتوقعة على الانتخابات:
* نسبة مشاركة منخفضة جداً: قد تكون الأقل في تاريخ العراق الحديث، مما يضع شرعية البرلمان المنتخب على المحك بشكل غير مسبوق.
* قاسم انتخابي منخفض جداً: سيُمكن هذا القاسم المنخفض بعض الكتل الصغيرة جداً، والمرشحين المستقلين الذين يحظون بدعم شعبي محدود، من الحصول على مقاعد بأعداد أصوات قليلة.
* برلمان مفتت وضعيف: سيكون البرلمان الناتج أكثر تفتتاً، وأقل تمثيلاً لإرادة الشارع، مما يُصعب تشكيل حكومة مستقرة ويزيد من حالة عدم اليقين السياسي والصراعات داخل القبة التشريعية.
* تعمق الأزمة السياسية: تزداد الفجوة بين الشعب والعملية السياسية، ويُتوقع تصاعد الاحتجاجات والتوترات الاجتماعية بعد الانتخابات مباشرة، مع إمكانية اندلاع أزمات سياسية متكررة تُهدد الاستقرار.
* استمرار نفوذ الكتل التقليدية بشكل غير مباشر: رغم انخفاض المشاركة، قد تظل الكتل التقليدية قادرة على حشد قواعدها الثابتة، مما يُمكنها من الحفاظ على نفوذها، وإن كان ذلك ببرلمان أضعف وأقل تمثيلاً، مما يعزز فكرة “الوجوه الجديدة لنفس الآباء”.
السيناريو الثاني: “الإصلاحات الشكلية والجمود المقيد”
الفرضيات:
* ضغط داخلي وخارجي يدفع لتغييرات طفيفة: تستجيب الكتل السياسية لبعض الضغوط الداخلية (خاصة من المرجعية العليا إن كان هناك توجيه غير مباشر) والخارجية، وتُجري تعديلات شكلية على قانون الانتخابات (مثلاً، تغييرات بسيطة في الدوائر أو في نظام سانت ليغو لا تمس جوهر المحاصصة).
* تراجع جزئي لدعوات المقاطعة: قد يختار التيار الصدري (أو جزء منه) المشاركة بصيغة معينة، أو تخف حدة دعوات المقاطعة من بعض قوى المعارضة بعد هذه التعديلات الشكلية، لكن مع استمرار التشكيك في جدواها.
* استمرار التدخلات الخارجية: تبقى المتغيرات الإقليمية (التدخل الإيراني، الضغوط الأمريكية) قائمة وتؤثر على سلوك الكتل السياسية وتوازناتها.
* الحكومة تُحقق بعض الإنجازات المحدودة: قد تُظهر الحكومة الحالية بعض التحسن في ملف الخدمات أو الاقتصاد، مما يُقدم حافزاً بسيطاً للمشاركة، لكن دون حلول جذرية للمشاكل الأساسية.
النتائج المتوقعة على الانتخابات:
* نسبة مشاركة متوسطة إلى منخفضة: أعلى من السيناريو الأول، لكنها لا تصل إلى مستويات مرضية تعكس مشاركة واسعة، وتبقى مؤشراً على عدم الرضا الكامل.
* قاسم انتخابي أعلى قليلاً: مما يُصعب على المرشحين المستقلين الصغار الفوز، ويُعيد بعض الهيمنة النسبية للكتل الكبيرة التي تمتلك موارد تنظيمية ومالية.
* هيمنة متجددة للكتل التقليدية: تظل الكتل السياسية الكبرى هي المسيطرة على المشهد، وربما تُقدم وجوهاً جديدة تابعة لها أو ضمن تحالفات معادلة، مما يعزز استمرارية نفس النفوذ القديم.
* برلمان ضعيف وساحة للمساومات: يستمر نمط تشكيل الحكومات عبر المساومات والتوافقات بين الكتل التقليدية، مما يُقلل من قدرة البرلمان على الرقابة والتشريع الفعال، ويُطيل أمد تشكيل الحكومة.
* استمرار حالة عدم الرضا الشعبي: رغم أي تحسينات شكلية أو جزئية، يبقى الشارع غير راضٍ بشكل كامل، مما يمهد لأزمات واحتجاجات مستقبلية مع تفاقم المشاكل الأساسية.
السيناريو الثالث: “التحول الكبير والتغيير الجذري” (السيناريو الأقل ترجيحاً حالياً)
الفرضيات:
* تدخل حاسم من المرجعية العليا: تُصدر المرجعية العليا في النجف توجيهات واضحة وقوية وملزمة لإصلاحات هيكلية عميقة في قانون الانتخابات والنظام السياسي (مثل الدائرة الواحدة لرئيسي الجمهورية والوزراء)، مع إشارة قوية لضرورة التغيير الجذري ومحاربة الفساد.
* توافق سياسي (مكره) على الإصلاح: تحت الضغط الشعبي الهائل ودعم المرجعية والدعوات الخارجية، تُجبر الكتل السياسية الكبرى على الموافقة على إصلاحات حقيقية وشفافة تمس جوهر المحاصصة وتفتح المجال لوجوه جديدة.
* مشاركة واسعة للتيار الصدري وقوى التغيير: يُقرر التيار الصدري المشاركة بقوة في الانتخابات بعد ضمان الإصلاحات، وتُنظم قوى تشرين والأحزاب الناشئة نفسها وتُشارك بفاعلية لاستثمار فرصة التغيير وتقديم بدائل حقيقية.
* دعم دولي وإقليمي واضح لعملية الإصلاح الحقيقية.
النتائج المتوقعة على الانتخابات:
* نسبة مشاركة عالية جداً: تُعيد الثقة بالعملية الانتخابية وتُعطي شرعية قوية للبرلمان المنتخب، وتُشكل تفويضاً شعبياً واضحاً للتغيير.
* قاسم انتخابي مُنصف: يُمكن المرشحين المستقلين والوجوه الجديدة الحقيقية (غير التابعة للكتل التقليدية) من الفوز بعدد معقول من الأصوات، ويُكسر احتكار الكتل التقليدية بشكل كبير.
* برلمان أكثر تمثيلاً وتوازناً: يُشكل البرلمان المنتخب انعكاساً حقيقياً لإرادة الشعب، ويضم قوى سياسية جديدة قادرة على إحداث التغيير في التشريع والرقابة.
* تشكيل حكومة أقوى وأكثر فاعلية: تقل المساومات الطويلة والمعقدة، وتُشكل حكومة قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والخدمية بفاعلية أكبر وبدعم شعبي أوسع.
* تراجع النفوذ الخارجي بشكل نسبي: يؤدي تعزيز السيادة الداخلية والاستقرار السياسي إلى تقليل مساحة التدخلات الأجنبية، وتعزيز مكانة العراق إقليمياً ودولياً.
خاتمة:
إن التحليل الشامل الذي قدمناه ودحضه للتوقعات السطحية يعكس مدى تعقيد المشهد العراقي. هذه السيناريوهات المقترحة هي محاولة لرسم ملامح مستقبل العملية الانتخابية بناءً على التفاعلات المعقدة بين العوامل الداخلية والخارجية. السيناريو الأكثر ترجيحًا في الوقت الحالي، في ظل استمرار الجمود السياسي وغياب الإصلاحات الجوهرية وتضافر دعوات المقاطعة، هو سيناريو المقاطعة الشاملة وشرعية متأزمة، والذي سيؤدي إلى برلمان ضعيف لا يلبي طموحات الشعب. أي تحول نحو السيناريوهات الأخرى يتوقف على قدرة الأطراف الفاعلة (المرجعية، الشعب، القوى السياسية) على فرض تغيير حقيقي وشامل.


