ليس كل انسحاب عسكري نهاية للنفوذ وليس كل مهمة تنتهي دليلاً على اكتمال السيادة. وبين هذين المعنيين تقع أهمية الثلاثين من أيلول 2026 وهو الموعد الذي يفترض أن تنتهي فيه مهمة التحالف الدولي في العراق لتبدأ مرحلة جديدة في العلاقة الأمنية والسياسية مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي.
والسؤال الذي يسبق هذا الموعد لا يتعلق بعدد القوات التي سترحل ولا بالمواقع التي ستخليها بل بما سيأتي بعد ذلك. أي عراق نريد بعد انتهاء المهمة وهل نملك من المقومات ما يحول هذه اللحظة إلى انتقال حقيقي في موقع الدولة وقرارها أم أننا سنكتفي بتغيير شكل الحضور الأجنبي بينما تبقى أدوات التأثير الخارجي قائمة بصور أخرى.
لقد مر العراق عبر العقود الماضية بمراحل متعددة من الحضور الدولي ولم تكن صلته بالخارج محصورة في الوجود العسكري وحده. فالتأثير يأخذ وجهاً أمنياً وسياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً وقد يبقى فاعلاً بعد أن يتبدل شكل الوجود العسكري. ولهذا يصعب اختزال السيادة في مغادرة قوة أجنبية أو في إنهاء مهمة تحالف.
إن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف محطة مهمة في مسار الدولة العراقية لكنها لا تقرأ شهادة على سيادة مكتملة وإنما بداية لاختبار جديد لها.
فالسيادة في معناها الأعمق لا تعني أن تكون الأرض تحت سلطة الدولة فحسب بل أن تكون مؤسساتها قادرة على اتخاذ قراراتها وإدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية وأن تتعامل مع القوى الدولية والإقليمية من موقع الندية والمصلحة المتبادلة لا من موقع الاستجابة للضغط أو الارتهان لمعادلات النفوذ.
ومن هنا ستكون العلاقة المقبلة مع الولايات المتحدة كما هي الحال مع سائر القوى الإقليمية والدولية جزءاً أساسياً من هذا الاختبار. فانتقال العلاقة من إطار التحالف العسكري إلى الشراكة الثنائية لا يعني نهايتها بل تغيراً في طبيعتها ومساراتها.
وهنا يصبح السؤال العراقي أعمق. هل تستطيع الدولة أن تنتقل من إدارة الوجود الخارجي إلى إدارة العلاقات الخارجية.
الفرق بين المرحلتين كبير. فإدارة الوجود تعني التعامل مع واقع فرضته ظروف أمنية وسياسية استثنائية أما إدارة العلاقات فتعني امتلاك رؤية وطنية تحدد ما يريده العراق من شركائه وما يقدر على تقديمه وأين تنتهي حدود المصالح المشتركة وأين تبدأ الشراكات المستقرة.
العراق لا يحتاج إلى علاقات تقوم على القطيعة مع الخارج ولا إلى علاقات تقوم على التبعية له. يحتاج إلى سياسة خارجية تبني التوازن من دون غموض وتنفتح من دون ارتهان وتشارك من دون أن تفرط باستقلال القرار الوطني.
ولهذا فإن قيمة الثلاثين من أيلول لن تتحدد بما يغادر العراق في ذلك اليوم بل بما تفعله الدولة بعده.
فإن استطاعت أن تجعل قرارها الأمني والسياسي والاقتصادي نابعاً من مؤسساتها الدستورية وأن تبني علاقاتها على قاعدة المصالح المتبادلة وأن تحفظ توازنها في بيئة إقليمية شديدة التعقيد فقد يصير انتهاء مهمة التحالف خطوة في مسار أوسع لترسيخ السيادة.
أما إن بقيت محكومة بتعدد مراكز التأثير فلن يكفي تغيير شكل الوجود الخارجي لتغيير جوهر المعادلة.
السيادة في النهاية ليست لحظة احتفالية مرتبطة بتاريخ ولا تقاس بعدد الجنود الذين يغادرون. إنها قدرة يومية للدولة على أن تعرف ماذا تريد وتمتلك أدوات بلوغه وتقول لشركائها وخصومها على السواء إن علاقاتها الخارجية تنطلق أولاً من مصالح شعبها ودستورها وقرارها الوطني.
لذلك قد لا يكون الثلاثون من أيلول نهاية القصة بل بداية السؤال الأصعب:
ماذا سيفعل العراق بسيادته بعد أن يتغير شكل الوجود الأجنبي؟


