وسائل تأديب الشعوب.. ورطة شريعتي ومناهج الشريعة!

وسائل تأديب الشعوب.. ورطة شريعتي ومناهج الشريعة!
يربط الكاتب بين العرفان والتهذيب الأخلاقي، منتقداً النفاق وتغليب المصالح الشخصية على الصالح العام. ويؤكد أهمية الصراحة والتربية الأخلاقية، ودور الحكومات والمدارس في ترسيخ الصدق واحترام الحقوق العامة، مستشهداً بمواقف تكشف التناقض بين المبادئ والسلوك...

العرفان: ببساطة، بلا تمنطق وتفلسف وتعقيد، هو معرفة السبل الموصلة إلى الألطاف الإلهية عن طريق القلب، لا عبر العقل والبحث العلمي، حسب ما يصف العارفون. مع أن العارفين يتميزون بسلوكهم الخاص، وليس بزيهم فحسب، الذي يبقى بلا قيمة إن لم يُعزَّز بخلق مجتمعي أنموذجي. إلا أن واحدة من أهم صفات العارف وشروطه أن يبتعد عن الرذائل، أو ما يُسمّى بالتخلية، وأن يتسم بسلوك حسن، بما يُسمّى بالتحلية، ثم التجلي الذي هو بوابة معرفة ألطاف الله. وفي خلاصة ما أراه شخصياً، فإن العرفان هو تربية قاسية للفرد كي يكون أنموذجاً صالحاً لبناء المجتمع بسبل تتسق مع كتم الباطل بوصفه سبيلاً وحيداً لترجمان الإيمان الحق؛ إذ لا يمكن التزيّن بزيّ معين والإتيان بأعمال مشينة تخالف ذلك.

قبل سنوات، كتبت عن احتلال الأرصفة من قبل الباعة المتجولين، إلى حدّ بلغ فيه السوء أنهم لم يتركوا للناس طريقاً يمشون فيه. وقد عاتبني صديقي صاحب «بسطية»، الذي أحبه كثيراً وأحتسي معه الشاي قرب بسطته كل يوم تقريباً، فدار بيننا الحوار التالي:

قال: «لماذا تريد قطع أرزاقنا؟»

قلت: «يا أخي، إن الرزق مكفول من قبل الرزّاق، وأفضل الرزق هو الحلال».

قال: «أين الحرام في عملنا؟»

قلت: «كل استغلال للمصالح العامة وزرع الأذى في طريق الناس محرّم».

يقول الدكتور علي شريعتي: كنت أعيش في فرنسا أثناء الدراسة، وتربطني علاقة طيبة بجارنا الفرنسي الذي يحترمني ويثق بي، وقد طلب مني مرة أن أبقى في بيتهم مع طفلتهم حتى يعودوا من مشوار طارئ.

أثناء ذلك، سقط من يد الطفلة قدح فانكسر، فارتجفت الطفلة وبكت خشية من والدتها. فخففت عنها وقع الأمر وأقنعتها قائلة: «إذا سألوك، فقولي إن القدح سقط من يد الدكتور وانكسر، فوافقت».

وقد أخبرت والدة الطفلة، بعد عودتها، أنني تسببت بكسر القدح دون قصد.

يضيف شريعتي: في صباح اليوم التالي، طُرق الباب بشدة، ولما فتحته وجدت أم الطفلة، وكانت غاضبة جداً، فهاجمتني بلهجة شديدة قائلة: «لقد جاءتني ابنتي في وقت متأخر من الليل، إذ لم تنم لأنها تشكو وخز ضميرها لكونها كذبت عليّ، ثم اعترفت بأنها هي التي كسرت القدح. لذا، أنت غير جدير بالصداقة؛ إنك تريد إفساد أخلاق بنتي وبيتي، وعليك الرحيل من هنا لأنك لا تستحق الجوار!».

ومن طرائف ما يُذكر عن تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا الأشهر في الحرب العالمية الثانية (1939–1945)، أنه ذهب إلى حلاقه الخاص بسيارة أجرة، وفي الطريق طلب من السائق أن ينتظره حتى يفرغ ليعيده إلى بيته. إلا أن السائق رفض قائلاً: «سيدي، لا يمكنني الانتظار، حتى لو أعطيتني أجرة مضاعفة؛ فتشرشل سيلقي خطاباً مهماً، وعليّ أن أكون حاضراً للاستماع إليه!». يضيف تشرشل: «سُررت بوطنية هذا المواطن الكادح ووعيه، فقلت له: طيب، هذه عشرة دولارات، وهي تعادل أضعاف أضعاف أجرتك؛ خذها واذهب إلى بيتك». عندئذٍ التفت إليه السائق قائلاً: «لا يا سيدي، بما أنك كرّمتني بهذا المبلغ الضخم، فسأنتظرك، وليذهب تشرشل وخطابه إلى الجحيم!».

في أنموذج ساخر متهكم، حدّ البكاء من شدة الضحك، على نفاق الشعوب المترسخ في النفس البشرية بصورة عامة، لا يختلف بين الشعوب المتدينة أو العلمانية، والقومية أو الوطنية، فحاجات الإنسان واحدة، و«صاحب الحاجة أعمى حتى قضاء حاجته». وفي واحدة من أجمل الحكم التي سمعتها في حياتي، ما يُعدّ بمثابة قانون إنساني أخلاقي ينبغي الالتفات إليه ودراسته ووضع الحلول الاجتماعية المناسبة له بعيداً عن النفاق، نجد أن تربية الناس على الصراحة تُعدّ من أهم واجبات الحكومات؛ أي القوى المسيطرة على الواقع، التي تمتلك نفوذاً وقوةً تخضع بهما أهواء الناس وأمزجتهم ورغباتهم لسلطانها الروحي والمادي. إذ لا يمكن منع الناس من الحصول على حقوقها الخاصة دون التعدي والتجاوز على الصالح العام إلا بالقوة والإجبار، لا بوصفهما وسيلة لقهر الإنسان وإذلاله واستعباده، بل باعتبارهما تربية صالحة وأخلاقاً إنسانية عامة، من واجبات الحكومات الأولى والأهم التي ينبغي النهوض بها، ولو قسراً. فتربية النفس وتأديبها أهم من تأديب الآخر، و«أفضل مؤدب هو مؤدب نفسه»، كما يقول الإمام علي بن أبي طالب.

وقد سألت، في إحدى سفراتي الخارجية، مديرة مدرسة ابتدائية في كوريا الجنوبية عن أهم الدروس التي تحرص كل الحرص على تعليمها وترسيخها لدى التلاميذ، وإن لم تكن جزءاً من المنهج الوزاري، فأجابت بكلمة حاسمة وجازمة: «أعلّمهم الصراحة، وإن لم أفعل ذلك فسأكون أفشل مديرة، حتى لو نجح جميع طلابي بامتياز».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *