ذهبت كعادتي اليومية أتبضع بعض الحاجيات البسيطة لمواطن شعبي مثلي، من البصل والفجل والخبز والتمر، فوجدت السوق مشتعلاً بالنقاشات المرتعدة على ألسنة الجميع. الكل يناقش الكل، لا فرق بين وزير وخفير، أمير أو خمير، مواطن صالح أو صاحب رأي طالح! فاستعلمت الأمر، فقالوا: «إن الدولار على صفيح ساخن!».
بصراحة، لم ألتفت إليهم كثيراً، لأن عندي من الرز والخبز والبصل والسكر ما يكفيني أسبوعاً. وبعد ذلك، حتماً، وكما علمتنا التجارب، ستهدأ الزوبعة، وتذهب الجدالات أدراج الرياح، وينشغل الناس بهمٍّ آخر وترند جديد، وتبدأ المباريات، فننتشي حتى اللامبالاة، أو في أسوأ الحالات نموت كمداً، كما مات أسلافنا بكأس المعاناة!
وقد قيل من قبل: «من لم يمت بالسيف مات بغيره»، و«من فاته اليوم سهم لم يفته غداً».. وإنا لله وإنا إليه راجعون!
قرأت في كتب التاريخ أن اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند، ولي عهد الإمبراطورية النمساوية المجرية، في سراييفو عام 1914، على يد شاب من صرب البوسنة، أشعل أزمة دولية انتهت باندلاع الحرب العالمية الأولى. ومع أن الحدث وقع في قلب أوروبا، فإن تداعيات الحرب وصلت إلى العراق، فاضطربت التجارة وارتفعت الأسعار واشتدت أزمات التموين، ثم سيق الرجال إلى جبهات القتال، فانشغل الناس عن الأسعار بمصائر أبنائهم ومحارق الحرب. وهكذا صار الرغيف هماً صغيراً أمام الخوف من فقدان الحياة نفسها.
ثم اجتاحت دبابات هتلر النازي بولندا عام 1939، واندلعت الحرب العالمية الثانية، فتأثرت الأسواق العراقية مجدداً باضطراب التجارة وشح بعض السلع وارتفاع تكاليف المعيشة. لكن العراقي، كعادته، وجد في المقام البغدادي والجالغي الشعبي وأشعار الملا عبود الكرخي، رحمه الله، شيئاً يخفف عنه وطأة الأيام، وكأن «ذبيت روحي على الجرش» كانت تعبيراً عن أوجاع الناس قبل أن تكون مجرد كلمات تتردد في المجالس.
ثم بدأت سلسلة الحروب الشرق أوسطية المميتة، من حرب حزيران عام 1967 إلى حرب تشرين عام 1973، ثم الحرب العراقية الإيرانية عام 1980، وصولاً إلى حرب الخليج عام 1990 وما أعقبها من حصار اقتصادي قاسٍ. حروب أكلت الأخضر واليابس، ورفعت الأسعار، وأضعفت القدرة الشرائية، وأدخلت حياة الناس في دوامة من الخوف والحرمان. وبين حرب وأخرى، كان الناس يهربون من ثقل الواقع إلى المسرحيات والأغاني والبرامج التلفزيونية. يضحكون مع «شاهد ما شافش حاجة» و«مدرسة المشاغبين»، وينتشون بألحان «فات الميعاد» و«أنساك» و«حسيبك للزمن»، ثم جاءت أجيال تتابع «من سيربح المليون» وغيرها من وسائل التسلية، فيما ظل السؤال القديم قائماً: كيف يعيش الفقير وسط كل هذه العواصف؟
وفي الحادي عشر من أيلول عام 2001، تعرضت نيويورك لهجمات هزت الولايات المتحدة والعالم، وانعكست تداعياتها السياسية والأمنية على الاقتصاد الدولي. أما العراق، فكان يعيش أصلاً تحت وطأة الحصار والعقوبات، حيث تآكلت الدخول وارتفعت كلفة المعيشة، وأصبح المواطن يعتمد على البطاقة التموينية أو ما نسميه ببساطة «الحصة». يومها لم تكن متابعة أسعار السلع ترفاً اقتصادياً، بل كانت معركة يومية للحصول على أبسط مقومات الحياة.
وفي أواخر عام 2019 ظهر فيروس كورونا في الصين، ثم اجتاحت الجائحة العالم عام 2020، وتعطلت حركة التجارة والنقل وسلاسل التوريد، وارتفعت أسعار سلع عديدة بفعل اضطراب الإنتاج والشحن. وفي العراق، تداخلت الأزمة الصحية مع ضعف الخدمات والضغوط المعيشية، لكن الناس انشغلوا عن الأسواق بخوف أشد، وهم يودعون أحبتهم ويدفنون موتاهم، حتى صار الحديث عن الأسعار أقل إيلاماً من الحديث عن سرير في مستشفى أو أسطوانة أوكسجين تنقذ حياة إنسان.
وفي شباط عام 2022 اندلعت الحرب الروسية الأوكرانية، بعيداً عن الخليج جغرافياً، لكنها لم تكن بعيدة عن موائد العراقيين. فقد اضطربت أسواق الحبوب والطاقة والأسمدة والنقل، وارتفعت أسعار مواد غذائية أساسية في الأسواق العالمية. وهنا تظهر مشكلة اقتصاد يستورد جانباً كبيراً من احتياجاته، إذ تصل إليه آثار الحروب البعيدة عبر كلفة الاستيراد والشحن، حتى عندما لا يكون طرفاً فيها. فالعالم أصبح سوقاً مترابطة، وما يحدث في موانئ البحر الأسود قد يصل أثره إلى كيس الطحين في دكان شعبي ببغداد.
ثم اشتعلت حروب جديدة في الشرق الأوسط، وتصاعدت المخاوف من اتساع المواجهات وتعطل طرق التجارة، وواصلت الأسواق تقلباتها، فيما انشغل الناس بميسي وكريستيانو رونالدو، وأخيراً لامين يامال! وكأن كرة القدم صارت استراحة جماعية من أخبار الدولار والحروب والسياسة، نختلف على هدف تسلل أكثر مما نختلف على أسباب غلاء الخبز والخضروات.
ثم استفاق الناس على أخبار القبض على متهمين بسرقة التريليونات من المال العام، فظن بعضهم أن الأموال ستعود سريعاً إلى خزينة الدولة، وربما تنعكس على أحوالهم المعيشية. لكن الأسعار لم تنخفض بمجرد إعلان التحقيقات أو الاعتقالات، لأن استعادة الأموال، إن تحققت، شيء، ومعالجة التضخم وضعف الإنتاج والرقابة على الأسواق شيء آخر. وهكذا ظلت موجات الغلاء تتقدم، فيما المواطن يتابع أخبار الفساد وكأنه يشاهد مسلسلاً طويلاً يعرف بدايته ولا يعرف نهايته.
وأخيراً، جاءت اضطرابات الملاحة والهجمات على السفن في البحر الأحمر ومحيط باب المندب، وتصاعدت المخاوف المرتبطة بأمن مضيق هرمز، فازدادت حساسية الأسواق لتكاليف الشحن والتأمين واحتمالات تعطل الإمدادات. وفي مثل هذه الظروف، يصبح المستورد أكثر حذراً، والتاجر أسرع إلى تعديل أسعاره، والمواطن آخر من يعرف الأسباب وأول من يدفع الثمن. أما نحن، فما زلنا مشغولين بالتيك توك والدليفري وبابا كركر وصفحات الفيسبوك والبرامج غير المبرمجة، وكأننا نعيش التطبيق العملي لما يسمى «ثقافة التفاهة» وسط عواصف اقتصادية لا ترحم.
وما زلنا نتطلع إلى الأفق، نلوك ليالينا الطويلة الموجعة، ونحلم بأكلة نظيفة، وسلعة رخيصة، ورغيف صحي، وفاكهة طازجة، ومادة تلفزيونية بريئة، وشارع هادئ، ونومة بلا ضجيج، وبيت ملك بسيط يؤوينا من تقلبات الزمان. إنها أحلام متواضعة جداً، لكنها أصبحت عند كثير من العراقيين مطالب ثقيلة المنال. ونتحسر على أيام كنا نقول فيها، رغم كل شيء: «الحمد لله على كل حال».
ونتناقش في الأسواق والكازينوهات والملاعب والجوامع والشوارع والساحات. كلٌّ يحمل وجهة نظر يضرب بها وجه الفقير حتى الألم، ونتسابق في سوق الجدالات، ونتراشق بالديالكتيك من أول ليل الفقراء الطويل حتى يصيح الديك. لكننا ننسى أن الأسعار، وإن كانت تتأثر بالدولار، فإنها لا تتحرك بسعر الصرف وحده. فهناك تكاليف الاستيراد والنقل، وضعف الإنتاج المحلي، واحتكار بعض السلع، والمضاربات، وهوامش أرباح التجار، وضعف الرقابة على الأسواق.
فليس كل ارتفاع في سعر الدولار يبرر ارتفاعاً مماثلاً في أسعار جميع السلع، كما أن انخفاضه لا يعني بالضرورة أن التاجر سيعيد الأسعار إلى سابق عهدها. وهنا تبرز مسؤولية الجهات الرقابية في متابعة الأسواق ومنع الاستغلال، ومسؤولية الدولة في حماية المنافسة وتسهيل وصول السلع، بدلاً من ترك المواطن تحت رحمة من يرفع السعر ساعة يشاء، ويتباطأ في تخفيضه حين تزول الأسباب.
ولعل الأشد إيلاماً أن المواطن البسيط أصبح مطالباً بفهم السياسة النقدية والحروب الدولية وأسعار النفط والشحن البحري حتى يفسر لماذا ارتفع سعر البصل والطماطم! بينما يفترض أن تكون هناك مؤسسات قادرة على حماية استقرار الأسواق، والتصدي للممارسات الاحتكارية، وتخفيف انتقال الأزمات الخارجية إلى معيشة الناس. فالدولار يؤثر في الأسعار بلا شك، لكنه ليس بريئاً من تأثيره الاقتصادي، ولا مذنباً في كل ما يفعله بعض التجار والمضاربين.
رحم الله سقراط وفولتير، وتغمد الدكتور علي شريعتي برحمته، فقد تركوا، كلٌّ في زمنه وسياقه، أسئلة عميقة عن العقل والحرية والوعي، فيما حذر شريعتي من «الاستحمار» بوصفه وسيلة لصرف الإنسان عن قضاياه الأساسية. ولعل أخطر ما نواجهه اليوم أن ننشغل بضجيج الأسعار والجدالات اليومية، وننسى البحث عن القوى الاقتصادية والممارسات التي تتحكم بمعيشتنا، وعن مسؤولية من يفترض بهم حماية مصالح الناس.
ومع ذلك، يخرج الناس كعادتهم، يهتفون ويرقصون ويهزجون حتى الثمالة: «عاش يعيش.. الموت للبغشيش!»، ثم يعودون إلى بيوتهم ليكتشفوا أن الأسعار ما زالت في مكانها، وأن جيوبهم أصبحت أخف، وأن التاجر لم يسمع شيئاً من خطبهم وهتافاتهم!
أما الحكمة القديمة فتقول: «من لا يرى من الغربال أعمى».
ولعلنا بحاجة إلى أن ننظر جيداً من ثقوب هذا الغربال، حتى نعرف من الذي يحرك الأسعار حقاً، ومن الذي يستفيد من اضطرابها، ولماذا يبقى الفقير هو الحلقة الأضعف في كل حرب وأزمة وارتفاع للدولار.
فالحروب قد تنتهي، والدولار قد يرتفع أو ينخفض، والحكومات قد تتبدل، لكن معاناة الفقير لا تنتهي ما دامت أسباب الغلاء والاستغلال باقية، وما دام الجدل أعلى صوتاً من الحلول.


