منْ حرقِ المصاحفِ إلى زوالِ الكيان.. معركةُ الوعيِ التي حسمَها القرآن

منْ حرقِ المصاحفِ إلى زوالِ الكيان.. معركةُ الوعيِ التي حسمَها القرآن
يمثل القرآن الكريم نوراً ومنهجاً حضارياً يحيي النفوس ويرسخ الكرامة والوعي، فيما تعكس محاولات الإساءة إليه عجز الخصوم عن مواجهة رسالته، وتؤكد الحاجة إلى نشر هدايته والدفاع عن مكانته عالمياً...

​{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

​لقد جعل الحقُّ سبحانه وتعالى القرآنَ روحاً؛ لأن به تحيا النفوس التي تؤمن به، فله فضلُ الأرواح في الأجساد، وجعله نوراً يضيء ضياء الشمس في الآفاق، ولا يستوي من آمن به ومن أعرض عنه وهو في ظلمات الجهل تائه، {كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. وهذا النور الذي يحيي النفوس ليس مجرد طقس تعبدي، وإنما هو منهج حياة وقوة تحررية؛ لذا لم يكن مستغرباً أن يضيق بضيائه أعداء الحياة، فيحاولوا إطفاءه تارة بالشبهات وتارة بالإساءة، ظناً منهم أن حرق القرآن ينهي أثر المنهج. بعيد أن يصل إليه من لا يعرف عزة المسلمين ومكانة القرآن في قلوبهم.

​إن من يعادي القرآن ويقوم بإحراقه بغية وظيفة ترشحه الصهيونية بأمريكا لا يؤثر على مكانة القرآن، الذي اشتمل على العلوم الإلهية وأصول العقائد الدينية وقوانين الفضائل والآداب وقواعد التشريع السياسي والمدني والاجتماعي والاقتصادي وغيرها من الأصول التي أتى بها القرآن الكريم، وسبق بها كل الأوضاع البشرية، التي يؤلف مجموعها الصرح الأدبي للمدنية المتحضرة، ولكن لا يزال كثير من الجهال في الغرب الصهيوني لم تتحرر عقولهم البشرية من تقليد الفكر المنحرف، فهم لا يعرفون القرآن الكريم في إعجازه وبيانه وفصاحته وجليل أحكامه، التي لو عرفوها وقرؤوها لاعتنقوا الإسلام وعرفوا فادح خطئهم الجسيم.

​إن العقيدة فطرة في النفس الإنسانية، وهي الملاذ الوحيد الذي يعتصم به في الملمات، وهذه العقيدة جديرة بأن تأخذ حظاً وافياً من البحث والدراسة في كتاب الله وأن تكون مبنية على الاقتناع في هديٍ من القرآن الذي يهدي العقول إلى تدبر آياته، {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}. {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}.

​والقرآن -يا للأسف- لا يزال يجهل حقيقته وأحكامه أكثر سكان هذه الأرض، مع أن الكثير نال قصداً من العلوم الإنسانية، ولو درسوا القرآن دراسة خالية من تأثير الوراثة العاطفية والتضليل السياسي لبهرتهم روعة القرآن وما يحويه من حكم وأحكام تضيء للبشرية دربها، وتحقق ما تصبو إليه من عزة وفلاح، ولانقادت نفوسهم بقوة لاعتناق دين الإسلام، والأخذ بتعاليمه، لما يرون في القرآن من أحكام وقواعد تبل ظمأهم الروحي، وتشفي به نفوسهم من الآلام، فسيرون من حقائق القرآن ما يسعد الناس وتسعد البشرية جمعاء وهم عنها غافلون.

إن استهداف القرآن بالإحراق اليوم ليس مجرد اعتداء على معتقد، وإنما هو اعتراف ضمني بالعجز عن مواجهة مشروعه الحضاري؛ ففي الوقت الذي يتخبط فيه النظام العالمي في أزمات الأخلاق والظلم السياسي، يبرز القرآن كدستور يعيد للإنسان كرامته، وللشعوب سيادتها، وهذا ما يجعل المعركة معه معركة وجودية تتجاوز الورق لتطال المنهج والموقف

​فالقرآن اليوم بحاجة إلى بيان مزاياه وفضائله أمام العالم المتمدن، ودحض المعتقدات السيئة، وإظهار حقيقة ما قدمه من علاج لأزمات الإنسانية المستعصية.

فالعالم اليوم بحاجة إلى علاج المشاكل التي تنتاب الإنسانية؛ والقرآن هو خير علاج، وإلى ذلك نرشد العقول النيرة في كافة أنحاء المعمورة إلى تعلم القرآن، وتعليمه الأجيال؛ ليعيش الكل في سلام وإسلام وعزة وكرامة.

​فالمسلمون اليوم وولاة أمرهم معنيون بتعريف العالم بالقرآن الكريم وهدايته، والذود عن مكانته ومحاربة من يسعون إلى محاربته وإحراقه ومحاولة إزالته، وهيهات لهم ذلك؛ فالقرآن باقٍ ما بقي الزمان.

​رَبّوا على القرآنِ فتياناً لكم ** تجدوهمُ خيرَ الخلائقِ جيلا

فهو الذي يبني النفوسَ بقوةٍ ** تهدي إلى النورِ المبينِ سبيلا

وهو الذي يحيي النفوسَ بعزةٍ ** تهدي إلى الحقِّ القويمِ عقولا

تُسدي الجميلَ إلى النبيِّ محمدٍ ** ماحي الضلالِ وقارئِ التنزيلا

حتى استقامَ الحقُّ تحتَ لوائهِ ** للخالقِ التكبيرُ والتهليلا

قوموا ارفعوا شرفَ الكرامةِ والتقى ** فاللهُ خيرٌ حافظاً ووكيلا

وكِلوا إلى اللهِ النجاحَ فإنهُ ** أسدى إليكم في الحياةِ جميلا

نصرٌ وفتحٌ وتوفيقٌ لكم ** فلناصريهِ المجدُ والتبجيلا

هيا اضربوا صوتَ النذالةِ والهوى ** فالجاهلُ التنزيلَ هو المخذولا

​لقد اقتضت حكمة الله أن يكون القرآن معجزة نبي الإسلام، فكلام الحق سبحانه وتعالى هو أفصح كلام، فهو ليس وضعاً إنسانياً، فما من عالم أو بليغ يقرأ القرآن بتدبر وإمعان إلا وهو يدرك ذلك، فهو عجيب في نظمه، وبديع في تأليفه، لا يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه، من ذكر قصص ومواعظ وحكم وأحكام ووعد ووعيد وأخلاق كريمة تسمو بها الحياة.

​لقد قص القرآن أنباء رسل مع قومهم بما تحويه تلك الرسائل من العبر وأنواع العبادات، والحث على مكارم الأخلاق، وتحريم القبائح، وأبان أسس التشريع في المال والحكم والأسرة وغير ذلك من الأمور التي تستعصي على بلغاء البشرية وعظمائها أن يأتوا بمثلها، ولهذا كان هذا التحدي والإعجاز باقياً بقاء الدهر، لا يستطيع أن يأتي بمثله من قام بمعارضته أو حرقه، وذلك دليل على وهن من يقوم بمثل ذلك وعجزه وخساسته وذله من إعجاز القرآن وبيانه، ولهذا يقول الحق سبحانه وتعالى: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

​لقد حاول بعض من حارب القرآن التحدي؛ فعجزوا، فقد خاطب هؤلاء القرآن في سورة الإسراء وأفحمهم فقال سبحانه: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}. فهل تعي الصهيونية وعمالاؤها ممن يقومون بحرق القرآن ومعاداة الإسلام أن ذلك لن يزيدهم إلا ضعفاً ووهناً؟ وإن لم يسلموا ويستسلموا لأحكام القرآن؛ فسيهلكون. وقد رد القرآن على من زعموا افتراءه كذباً وزوراً من قبل أكثر من 1400 عام: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

​فلو كان هؤلاء الصهاينة وسلفهم يستطيعون معارضة القرآن بسورة واحدة لما لجأوا إلى حرقه، فالحق سبحانه وتعالى يقول: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}.

​فالقرآن محفوظ بحفظ الله؛ مهما امتدت الأجيال وتوالت العصور، فلم يبقَ من سبيل إلا أن يسلم هؤلاء ويدخلوا في دين الإسلام، قبل أن تحل بهم قارعة من عذاب الله، فقد حوى القرآن من المعاني الكثيرة والأغراض الوافرة والقصص والأحكام ما فيه شفاء البشرية، وحفظها وحضارتها واستقامتها وسلامتها.

​ومن دلائل إعجاز القرآن الكريم باعتباره وحياً إلهياً اشتماله على أنباء غيبية صدقتها الحوادث مما لا يتسع في هذه العجالة بسطها، ولكننا نشير إلى أن هذا الإعجاز يشتمل على تأكيدات الله بأنه سينصر المسلمين على أعدائهم، وقد حصل ذلك، فتعليم القرآن صار ضرورة للبشرية كلها؛ لأن فيه حفظها وصيانة مجدها.

​صُونوا بِآياتِ الكِتـابِ شَبـابَكُم ** تَجِدوا بِهِم خَيرَ البَرِيَّةِ جِيلا

نُورٌ يَبُثُّ العِزَّ في أَرْواحِهِم ** وَيُبِينُ لِلحَقِّ المُبينِ سَبِيلا

فَهُوَ الذي صَاغَ العُقُولَ بَحِكمةٍ ** وَأَقَامَ مِنْ عِوجِ النُّفُوسِ عُدُولا

يَمضُونَ في طَلَبِ المَعَالي هِمَّةً ** لا يَعرِفُونَ عَنِ الرَّشادِ نُكُولا

كَمِثَالِ مُوسى إذْ يَرُومُ بَصِيرةً ** لَمْ يَثْنِهِ طُولُ الطَّرِيقِ مَقِيلا

حَتّى ارْتَوى مِنْ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ مَنْ ** جَعَلَ اليَقِينَ لِفِكرِهِ إِكْلِيلا

صَلّوا عَلى الهادِي الَّذي بِبَيانِهِ ** أَهْدَى لِكُلِّ الحائِرِينَ دَلِيلا

مَنْ جَاءَ بِالتَّنْزِيلِ يَهْدِمُ ضَلَّةً ** وَيُشِيدُ لِلْمَجْدِ الأَثِيلِ قَبِيلا

فَاسْتَمْسِكُوا بِالحَبْلِ دُونَ تَرَدُّدٍ ** تَجِدوا الإلهَ مُؤَيِّداً وَوَكِيلا

​إن ما يدهش العقل وبما لا يمكن تعليله إلا بأن القرآن كلام الله ووحيه إلى نبيه محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- تأكيده وتبشيره المؤمنين بأنهم سيخولون خلافة الله في الأرض {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمَلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}. وقد نزلت هذه الآية بعد هجرة المؤمنين إلى المدينة يبيتون ويصبحون في سلاحهم قائلين: هل يأتي علينا زمن نؤدي فيه شعائرنا مطمئنين على حياتنا؟ فآلت إليهم خلافة الله في الأرض، وقد وعد الله المؤمنين بالظفر والتمكين: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً}. وغداً بإذن الله يظهر الإسلام على الأرض كلها وينتصر محور المقاومة في فلسطين والجمهورية الإسلامية في إيران ولبنان والعراق ويمن الإيمان والحكمة، وتذوق الصهيونية وأعداء الإسلام وبال أمرهم {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *