تشير العديد من القراءات والتقديرات، بل وحتى الاستفتاءات والمحاكات الميدانية، إلى أنّ الحزب الديمقراطي الكوردستاني ما يزال من بين الأحزاب الأكثر حضورًا وتقدمًا في المشهد الانتخابي الكوردستاني. هذا التقدير لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى جملة من المؤشرات التي رصدتها مراكز بحثية دولية ذات مصداقية، فضلًا عن الملاحظات الشخصية المباشرة والحوارات المتعددة التي أجريناها مع شرائح المجتمع المختلفة، بدءًا من الطبقة المثقفة وأصحاب الشهادات العليا، وصولًا إلى عامة الناخبين الذين يحددون بمواقفهم ملامح المشهد السياسي.
المثير للاهتمام في هذه الدورة الانتخابية أنّ مسألة اللغة والمستوى الأكاديمي لم تكن مجرد تفاصيل هامشية، بل أصبحت جزءًا مهمًا من خيارات الحزب. فاعتماد الديمقراطي الكوردستاني على مرشحين يمتلكون خلفية علمية وثقافية، منح الحزب رصيدًا إضافيًا من الثقة لدى النخب الفكرية وأهل القلم. لقد بدت هذه الخطوة وكأنها رسالة واضحة بأن الحزب، رغم إرثه التاريخي الطويل، يتطلع إلى تجديد صورته بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الراهنة، حيث لا يكفي أن يكون المرشح سياسيًا فحسب، بل ينبغي أن يكون مثقفًا قادرًا على مخاطبة العقول وصياغة خطاب حضاري يليق بمرحلة ما بعد الصراعات.
ومن نافلة القول إن أي عملية انتخابية لا تخلو من الإيجابيات والسلبيات، فهناك ما يمكن معالجته داخليًا وهناك ما يظل مرهونًا بعوامل خارجية، لاسيما في العلاقة المعقدة مع بغداد. فإصرار المركز على عدم تطبيق بعض المواد الدستورية أو تعطيل استحقاقات كوردستان القانونية، يشكل عائقًا أمام أي جهد محلي. ومع ذلك، يظل التعاطي مع هذه التحديات بحاجة إلى أسلوب سياسي مرن يوازن بين الثوابت والواقعية، وهو ما يجيده الحزب الديمقراطي في معظم محطاته.
ومن بين الخطوات اللافتة في هذه المرحلة، الموقف المتعلق بملف اللغة . ورغم أنّ هذه المبادرة جاءت متأخرة نسبيًا، إلا أنها حملت في طياتها بُعدًا إيجابيًا؛ إذ لا بد من قراءة كل تأخيرة باعتبارها فرصة لإعادة التصحيح وإدراك ما كان ينبغي تداركه منذ وقت أبكر. هذه السياسة العملية تعكس استعداد الحزب لمراجعة نفسه، والتفاعل مع ملاحظات المجتمع المدني والنخب التربوية، وهو أمر يُحسب له في خضم التحديات الراهنة.
أما على صعيد المرشحين، فإنّ الغالبية منهم حظوا بقبول ملحوظ لدى الشارع والوسط السياسي معًا. وهذا القبول لا يعني بالضرورة ضمان النجاح، لكنه يعكس وجود أرضية إيجابية يمكن البناء عليها. فالناخب، في لحظة التصويت، لا يكتفي بالشعارات، بل يحكم على المرشح من خلال صورته الحقيقية، سلوكه، ومصداقيته في التعبير عن هموم الناس. وهنا تبرز مسؤولية المرشحين أنفسهم، إذ عليهم أن يثبتوا أنهم لا يدخلون البرلمان ليكونوا مجرد أرقام أو أسماء عابرة، بل صوتًا عاليًا للقضية الكوردية، وجنودًا أوفياء لمصالح شعبهم.
التجارب السابقة أظهرت أن بعض النواب كانوا غائبين عن جلسات البرلمان أو حضورهم كان بلا أثر يُذكر، مما أضاع فرصًا ثمينة لإيصال صوت كوردستان. لذا، فإنّ المرحلة المقبلة تتطلب نوابًا يمتلكون الإرادة والقدرة على العمل الدؤوب، وبناء علاقات إيجابية مع مختلف القوى السياسية دون الوقوع في فخ الأحقاد أو الانجرار وراء الصراعات الثانوية.
الديمقراطي الكوردستاني
إنّ الديمقراطي الكوردستاني، بفضل تاريخه النضالي الطويل، ليس حزبًا يقتصر على الانتخابات والترشيحات، بل هو مدرسة سياسية وحركة تحررية متجذرة في وجدان الكورد. ولعل ما يمنحه هذه المكانة المميزة هو مرجعيته الأخلاقية والسياسية المتمثلة في الرئيس مسعود بارزاني، الذي يُنظر إليه باعتباره الأب الروحي والرمز الجامع للحركة التحررية الكوردية. وجود هذا السند المعنوي يمنح الحزب ثقة راسخة، فلا مجال للخوف في مواجهة أي ملابسات أو تحديات قادمة.
من هنا، فإنّ المطلوب من مرشحي الديمقراطي أن يحملوا هذا الإرث بكل جدية، وأن يحافظوا على مبادئ الحزب وأخلاقياته، لا أن يركنوا إلى المكانة التاريخية وحدها. عليهم أن يكونوا صدى لصوت الشارع، وجسرًا للتواصل مع كل الأطراف، وأداة لتعزيز مكانة كوردستان في الداخل والخارج.
وبقدر ما يشكل الحاضر تحديًا، فإنه يفتح أيضًا آفاقًا جديدة. فالمجتمع الكوردستاني اليوم أكثر وعيًا وثقافة، وأكثر تطلعًا إلى خطاب سياسي مسؤول. ومن هنا، فإنّ نجاح الديمقراطي الكوردستاني في الانتخابات المقبلة لن يُقاس بعدد المقاعد وحدها، بل بقدرته على توظيف هذا الفوز لخدمة المشروع الكوردي، وتعزيز ثقة المواطن بأن صوته لم يذهب سدى، بل كان لبنة في بناء مستقبل أفضل.


