مدخل
تطرّف بعض القوى السنية وخضوعها لأجندات الخارج، وجهل بعض ساسة الشيعة وفقدانهم البوصلة الاستراتيجية، يضع العراق اليوم على مفترق طرق خطير.
المرحلة المقبلة لن تكون سهلة على أحد، بل اختبار لقدرة من يملك رؤية ثاقبة على حماية البلاد من الانهيار.
مقدمة
بما أنني عراقي، فقد وجدت نفسي منذ نعومة أظافري منخرطًا في صراع متعدد الأوجه؛ صراع حجبه النظام البعثي الصدامي المجرم لعقود طويلة عبر القمع والبطش، وفي الوقت ذاته صنع بنفسه صراعات جديدة غذّاها بالتمييز والإقصاء والتهميش. لقد عايشت هذه المرحلة بكل تناقضاتها؛ من تكميم الأفواه وإخفاء الحقائق إلى افتعال الانقسامات داخل المجتمع العراقي.
ومع سقوط ذلك النظام، لم ينتهِ الصراع، بل أخذ شكلاً آخر، إذ انفتحت الساحة على واقع جديد حمل معه آمالًا كبرى بالتغيير، لكنه أفرز أيضًا فوضى سياسية واجتماعية لم تُدار بعقلانية أو وعي استراتيجي. ومن هذا المنطلق، أجد نفسي اليوم بصدد تبيان المخاطر المستقبلية التي أراها ماثلة أمام العراق؛ مخاطر تكاد أن تكون حتمية إذا استمرت القوى السياسية في مسارها القائم على الجهل والتطرف والارتهان للخارج.
وأنا من داخل هذه التجربة أوجّه رسالة واضحة إلى النخب السياسية: يجب عليكم القيام بمراجعة جذرية لمواقفكم وسياساتكم؛ فالمرحلة المقبلة ليست منحة تُقدَّم لكم، بل ساحة مفتوحة لمن يملك رؤية ثاقبة وقدرة على حماية المكونات من الانزلاق في فخٍ سيؤدي إلى احتراق الجميع. هذه الرسالة ليست إنذارًا بلاغيًا فحسب، بل دعوة عملية لتحمّل المسؤولية وإعادة بناء عهدٍ جديد مع الشعب قائم على الشفافية والاستراتيجية الوطنية.
أولًا: إشكالية القيادة الشيعية
رغم أن القوى السياسية الشيعية تمسكت بزمام الحكم منذ سقوط النظام السابق، إلا أنها لم تمتلك رؤية استراتيجية حقيقية لإدارة الدولة، فانشغلت بصراعات جانبية ومكاسب آنية على حساب بناء مؤسسات قادرة على تلبية احتياجات الشعب.
غياب الوعي الديمقراطي: لم تُترجم مبادئ الديمقراطية إلى ممارسة فعلية، إذ جرى التعامل مع مقدرات الدولة كغنائم سياسية بدلًا من كونها أمانة للشعب.
تآكل الثقة الشعبية: باتت القاعدة الشعبية الشيعية تدرك اليوم أن جزءًا كبيرًا من هذه الطبقة السياسية لم يعد مؤهلًا للبقاء في منظومة الحكم، وهو ما يعزز التوجّه نحو مقاطعة الانتخابات.
ثانيًا: فقدان الثقة والقلق الشعبي
المرحلة المقبلة توحي بظهور أزمة جديدة عنوانها فقدان الثقة؛ فقد تزعزعت علاقة الشعب بالمكونات السياسية، كما تشهد العلاقة بين هذه المكونات نفسها تصدعات متزايدة.
أزمة وجود: الشعب العراقي، وتحديدًا القاعدة الشيعية، بات يرى نفسه أمام أزمة وجود حقيقية، في ظل صعود توجهات متطرفة تسعى إلى إلغاء مكونات أخرى داخل العراق.
الرهان الخارجي: هذا التوجه المتطرف يستند إلى دعم أو تغطية من بعض القوى الكبرى التي تتحرك في العراق وفق أجندات مشبوهة، لا تراعي مصلحة العراق بقدر ما تخدم مصالحها الاستراتيجية.
ثالثًا: تطرف بعض القيادات السنية
على الجانب الآخر، برزت توجهات متشددة لدى بعض القوى السنية، وجدت في الارتهان للخارج فرصة لإضعاف المكوّن الشيعي.
الارتهان السياسي: بعض هذه القوى تسعى لتكريس نموذج الدول الخاضعة للسياسات الإقليمية والدولية، وهو ما يهدد بتقويض التوازن الداخلي.
إضعاف العملية السياسية: هذه السياسات تساهم في تحجيم الدور الشيعي وإبقاء العراق ساحة مفتوحة للتجاذبات الخارجية.
رابعًا: المخاطر ما بعد الانتخابات
من المرجّح أن الانتخابات المقبلة لن تُنتج حلولًا جذرية، بل ستفتح الباب أمام مزيد من الفشل السياسي.
تصعيد شعبي شيعي: في حال استمرار تهميش إرادة الناخبين، قد يتجه جزء كبير من الشارع الشيعي إلى البحث عن بدائل خارج إطار هذه القوى التقليدية، وذلك عبر إفراز قيادات ذات طابع عقائدي تكون قادرة على مواجهة الهجمات السياسية والفكرية التي تستهدف العراق.
مخاطر الانقسام: فشل الانتخابات سيعزز من فرص الانقسام، ويجعل العراق مهددًا بالتمزق إذا لم تتشكل قيادة وطنية قادرة على تحصين الداخل من التدخلات الأجنبية.
الخلاصة
إن الأزمة العراقية اليوم تجاوزت حدود الخلاف بين الشيعة والسنة لتصل إلى أزمة ثقة شاملة بين الشعب ومنظومته السياسية. فبين جهل بعض القوى الشيعية وتطرف بعض القوى السنية، وبين تدخل القوى الكبرى وتحركاتها المشبوهة، يقف العراق أمام لحظة تاريخية حاسمة. إن مستقبل البلاد مرهون بقدرة الشعب على إعادة الاعتبار لصناديق الاقتراع كأداة للتغيير الحقيقي، وبروز قيادات عقائدية ووطنية تستطيع مواجهة مشروع التفكيك الذي يهدد وحدة العراق.


