في لحظة وُصفت بأنها مفصلية في التاريخ السياسي الحديث لتركيا، خرج الرئيس أردوغان في كلمة طويلة أمام كوادر حزبه في المخيم السياسي “قزل حمام” قرب أنقرة، ليضع ملامح أولية لما يمكن وصفه بمشروع تركيا الجديد بعد نهاية الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني (PKK). وقد جاءت كلمته بعد إعلان رمزي من قادة الحزب بحل التنظيم المسلح في السليمانية، وإحراقهم للسلاح، في مشهد بدا كأنه نهاية فصل دامٍ استمر 47 عاماً.
لم تكن كلمات أردوغان احتفاليةً عابرة أو مجرد إعلان سياسي، بل يمكن قراءتها كرؤية استراتيجية متكاملة تنطلق من الداخل التركي نحو الفضاء الإقليمي الأشمل. أردوغان، الذي غالباً ما كان يتجنّب التصريح المباشر حول ملف التسوية مع (PKK) ، اختار لحظة نادرة ومقصودة لرفع سقف التوقعات، ولتبني خطاب يتجاوز المفردات الأمنية إلى صياغة مشروع وطني ـ قومي شامل، يعيد توحيد الأتراك والكرد والعرب تحت مظلة “تركيا القوية”.
*أولاً: إعلان نهاية الإرهاب وبداية حقبة جديدة*
في مقدمة خطابه، شدد أردوغان على أن “الإرهاب انتهى”، معتبراً أن تركيا انتصرت على حزب العمال الكردستاني بفضل قوة الدولة وإرادتها السياسية والأمنية. هذا الإعلان، وإن كان يحمل دلالات رمزية، إلا أنه أيضاً استثمار سياسي داخلي كبير لأردوغان، حيث أدرجه ضمن إنجازات الدولة الحديثة بقيادته. لكن اللافت أن الرئيس لم يطرح تفاصيل واضحة حول ملامح “ما بعد السلاح”، سواء من جهة الحقوق الكردية، أو مصير ممثلي الحزب أو القوى الاجتماعية المرتبطة به، أو حتى الخارطة التشريعية القادمة.
ولكن في تحول لافت، اعترف أردوغان بأن الدولة التركية ارتكبت “أخطاء فادحة” بحق الأكراد، منها الخطف والتعذيب ومنع اللغة الكردية حتى في السجون، واعتبر أن هذه السياسات هي التي دفعت كثيراً من الشباب الكردي إلى حمل السلاح. هذا الاعتراف، وإن تأخر عقوداً، إلا أنه يُعد مؤشراً على نضج نسبي في الخطاب التركي تجاه القضية الكردية، ويمنح أردوغان هامشاً أخلاقياً لتحريك عملية مصالحة سياسية وشعبية أوسع.
كما أظهر أردوغان ميلاً إلى تحويل هذا التطور التاريخي إلى مكسب سياسي داخلي، متجاهلاً دور المعارضة ودعمها لمسار الحل الكردي، وموظفاً كل عناصر الخطاب لصالح حزب العدالة والتنمية.
*ثانياً: تحالف عربي – تركي – كردي*
أهم ما ورد في الخطاب، وربما أكثر ما أثار الانتباه، كان طرح أردوغان لفكرة “تحالف تركي عربي كردي”، ليس فقط لحل المسألة الكردية، بل كإطار استراتيجي إقليمي جديد لمواجهة التحديات الجيوسياسية. هذا الطرح يعكس تحولاً في رؤية تركيا تجاه محيطها، ويبدو استمراراً لرؤية “الولايات العثمانية الجديدة” التي ظهرت في أدبيات بعض مراكز التفكير القريبة من الحزب الحاكم منذ 2011.
لكن، إدخال العرب في معادلة حل القضية الكردية داخل تركيا بدا غريباً للبعض، خصوصاً أن الحديث كان يُفترض أن يتركز على إعادة صياغة العلاقة بين الدولة التركية ومكونها الكردي. إدخال العرب في هذا الإطار قد يحمل دلالة رمزية أوسع: ربما رسالة لأكراد العراق وسوريا، وربما حتى للبنان، بأن تركيا مستعدة لرعاية “هوية إقليمية جامعة” تتجاوز حدود الدولة القومية، بشرط أن تكون القيادة تركية، تحت راية الإسلام السياسي أو العثمانية الجديدة.
ومن أخطر ما ورد في الخطاب كان حديث أردوغان عن “مسؤوليته تجاه حقوق الأكراد في سوريا”، وهو إعلان غير مباشر بأن أنقرة لن تتخلى عن طموحاتها في الملف السوري، بل وتسعى لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للمشرق العربي على أساس كردي، تركي، عربي موحد. الرسالة هنا موجهة ليس فقط للأكراد السوريين بل أيضاً للعرب السنة في الشمال السوري والموصل وربما لبنان، بأن خيارهم الأفضل هو التفاهم مع تركيا بدل الارتهان لمحاور أخرى.
والملاحظ أن أردوغان في خطابه يحاول تكرار إشاراته المعتادة إلى مجد الإمبراطورية العثمانية، مستحضراً أسماء مدن من مكة والمدينة ودمشق إلى بغداد وتبريز وأصفهان، ومروراً بإسطنبول وأنقرة. هذا الاستدعاء، رغم طابعه العاطفي، يعكس إصراراً على تأطير الحاضر ضمن ماضٍ إمبراطوري، في محاولة لبناء سردية قومية – إسلامية موازية للسرديات القومية التقليدية.
لكن هذا التذكير، في سياق الحديث عن التحالف، يوحي بأن اليد التركية ستكون الأعلى في أي ترتيب إقليمي قادم، وهو ما قد يولد نفوراً أكثر مما ينتج تعاطفاً، خصوصاً لدى العرب الذين ما زالت ذاكرتهم مثقلة بتجربة الحكم العثماني المتأخر.
*ثالثاً: قسد، إسرائيل، والتوازنات الإقليمية*
في عمق التحوّل التركي الأخير تجاه المسألة الكردية، يكمن شقّ سوري بالغ الحساسية، لا يمكن فصله عن التوازنات الإقليمية الكبرى. إذ تُدرك “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) أن أي تفاهم تركي- كردي سواء كان تسوية داخلية أو مدخلاً لمشروع دستوري جديد ــ قد يُنهي دورها كورقة ضغط أميركية – إسرائيلية على خاصرة أنقرة.
من هنا، تتعامل “قسد” بحذر واضح، فتُعلن أن ما يجري هو “شأن تركي داخلي”، لكنها في العمق تستشعر حجم التهديد الاستراتيجي الماثل أمامها، خاصة مع تآكل الغطاء الأميركي لها، وتقارب أنقرة ودمشق، والدفع الروسي–الإيراني باتجاه إنهاء الوضع شبه المستقل الذي كانت تحظى به في شمال شرقي سوريا.
من منظور جيوسياسي أوسع، يُعدّ تحجيم الورقة الكردية ـ في العراق وسوريا ـ بمثابة انتزاع لأحد أبرز أدوات إسرائيل غير المباشرة للضغط على تركيا. لطالما استخدمت تل أبيب هذه الورقة لإرباك الأمن التركي في الشمال، وتحجيم نفوذ أنقرة في العمق العربي، من خلال دعم شبكات انفصالية مسلحة ذات صلة وظيفية بمشاريع التفتيت الإقليمي. وبالتالي، فإن تسوية تركية – كردية داخلية تنعكس حكماً على توازنات الملف السوري، وتُقلّص من قدرة إسرائيل على المناورة في هذه الجبهة. فإن تركيا تبدو اليوم أكثر قدرة على فرض سرديتها الإقليمية الخاصة، بعيداً عن ثنائية المحاور، مستفيدة من لحظة فراغ استراتيجي أميركي، وتراجُع عربي، وتخبّط إسرائيلي في إدارة نفوذها الإقليمي.
*رابعاً: هل هو فصل ختام أم بداية لتحول أكبر؟*
كلمة أردوغان ليست احتفالاً، بل هي إعلان نوايا استراتيجية. ومحاولة لإغلاق جرح مزمن في الجسد التركي، وفتح نافذة إلى الشرق بمفهوم جديد للقوة والنفوذ. ولا يكتفي بإغلاق ملف الحرب مع ( PKK) بل يسعى لتحويل هذا الإغلاق إلى نقطة انطلاق لمشروع أوسع يعيد تعريف دور تركيا في الشرق الأوسط.
لكن يبقى أن هذا المشروع لا يزال غامضاً في التفاصيل، يفتقر إلى خطة دستورية واضحة، ولا يضمن حتى الآن تطمينات كافية للداخل التركي القومي، ولا يملك رؤية متوازنة تجنب الحساسيات التاريخية. فهل تنجح تركيا في استثمار هذا التحول لإنهاء الصراع الكردي فعلاً؟ أم أنها تمهد فقط لمرحلة جديدة من التنافس الإقليمي على النفوذ تحت لافتات جديدة؟
لكن المشهد لا يخلو من العقبات: هناك بقايا عدم الثقة، وتيارات متطرفة داخل ” PKK”، ومعارضة قومية داخل تركيا، وتعقيدات دستورية. ومع ذلك، فإنّ اللحظة تبدو أكثر نضجاً، والفرص هذه المرة أكبر، وربما أخطر.. لأن من يُحاول إعادة تعريف الجغرافيا السياسية عليه أن يتقن اللعب على شفير التاريخ.
الأسئلة مفتوحة، والمشهد مرشح للتطور بسرعة… لكن لا شك أن يوم إعلان PKK حل نفسه، وكلمة أردوغان التي تلته، سيدخلان في كتب التاريخ كفصل جديد لم يُكتب بعد عنوانه النهائي.


